في تطور لافت ينذر بتوسّع رقعة الصراع داخل السودان وتدويله أكثر من أي وقت مضى، أعلن التلفزيون الرسمي السوداني، الأربعاء، عن تدمير الجيش لطائرة إماراتية عسكرية كانت تقلّ مرتزقة كولومبيين وأسلحة لقوات الدعم السريع، وذلك أثناء محاولتها الهبوط في مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 مرتزقاً على الفور.
هذا الحدث يعمّق الاتهامات الموجهة للإمارات بشأن دعمها العسكري المتواصل لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) في حربه المستمرة ضد الجيش السوداني، ويعيد إلى الواجهة الأدوار المظلمة التي تلعبها أبوظبي في إشعال النزاعات وتقويض الاستقرار في الإقليم.

إحراق السماء.. الطائرة الإماراتية تُسقط قناع الحياد
بحسب رواية المصدر العسكري السوداني الذي تحدّث للتلفزيون الرسمي طالباً عدم كشف هويته، فإن الطائرة المدمّرة أقلعت من قاعدة جوية في منطقة الخليج وكانت محمّلة بالعتاد الحربي والمرتزقة الكولومبيين، ما يشير إلى عملية منظمة ذات طابع استخباراتي وميداني، وليست مجرّد دعم لوجستي عابر. وتزامن استهداف الطائرة مع تكثيف الجيش السوداني هجماته الجوية على مواقع الدعم السريع في دارفور، وخاصة في نيالا، التي باتت تمثّل عقدة دعم استراتيجية لقوات حميدتي.
ووفق المصدر نفسه، فإن الطائرة الإماراتية لم تكن الأولى التي حاولت الوصول إلى مطار نيالا، الذي بات منذ أشهر منصة لتلقي شحنات الطائرات المسيرة والسلاح الثقيل القادم من الإمارات، حسبما كشفت عدة تقارير دولية. ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تعدّ الأكثر وضوحًا وصراحة من حيث تورّط الإمارات بشكل مباشر في نقل مقاتلين أجانب إلى ساحة القتال، مما يجعلها شريكًا فاعلًا – بل ومجرم حرب محتمل – في النزاع السوداني.
المرتزقة الكولومبيون.. صفقات الدم بتمويل إماراتي
صورة المرتزقة الكولومبيين في السودان ليست جديدة، لكنها كانت محاطة بكثير من الضبابية، حتى كشفتها تقارير أممية نهاية عام 2024. ومع اشتداد المعارك في إقليم دارفور، خاصة حول مدينة الفاشر، أكدت القوات المشتركة الموالية للجيش السوداني وجود أكثر من 80 مقاتلاً كولومبيًا يقاتلون في صفوف قوات الدعم السريع، وهو ما أعاد إلى الأذهان نمط التجنيد الإماراتي المعروف في اليمن وليبيا عبر شركات أمنية خاصة، أبرزها “بلاك شيلد” سيئة السمعة.
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو علّق بدوره على الحادثة، معرباً عن قلقه من مقتل العشرات من مواطنيه، ومؤكداً سعي حكومته لمعرفة تفاصيل الحادثة واستعادة الجثث. ورغم أسفه السابق لمشاركة الكولومبيين في النزاع، إلا أن حكومته لم تتخذ أي خطوات حازمة لملاحقة المتورطين في تجنيدهم.
هذا التراخي الكولومبي في التعامل مع الظاهرة، يقابله إصرار إماراتي على استخدام المقاتلين الأجانب كأداة لتنفيذ أجنداتها السياسية والعسكرية في دول العالم الثالث، مع تجاهل صارخ للقوانين الدولية التي تجرّم تجنيد المرتزقة وتمويلهم.
أبوظبي تنكر رغم الأدلة.. والخرطوم تكشف الوثائق
الحكومة السودانية، وعلى لسان عدد من مسؤوليها، وجّهت اتهامات مباشرة للإمارات قبل أيام، مؤكدة امتلاكها وثائق تثبت قيام أبوظبي بتمويل وتجنيد مرتزقة كولومبيين ونقلهم إلى ساحات القتال في دارفور. ويأتي تدمير الطائرة كمؤشر عملي يؤكد تلك الاتهامات.
وسبق أن أكدت تقارير لمنظمات دولية، منها معهد أبحاث حقوق الإنسان بجامعة ييل، وجود طائرات مسيرة صينية الصنع داخل مطار نيالا، حيث تسيطر قوات الدعم السريع. هذه المسيّرات تم توثيق استخدامها في استهداف المدنيين والجيش السوداني، ما يعزز فرضية تلقي قوات حميدتي دعمًا تقنيًا متطورًا لا يمكن توفيره دون رعاية دولة بحجم الإمارات.
في المقابل، تواصل أبوظبي نفيها الرسمي لأي تدخل في الشأن السوداني، إلا أن تناقضاتها سرعان ما تنكشف على الأرض، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي في السودان من التدخلات الخارجية، ومع قرار الإمارات الأخير بمنع الطائرات السودانية من الهبوط في مطاراتها، واحتجاز طائرة سودانية في مطار أبوظبي، في خطوة اعتبرها كثيرون انتقامًا سياسيًا بعد فضح شحنات الدعم العسكري.
نحو تدويل الصراع.. والسودان ساحة تصفية حسابات
الخطير في هذا التصعيد، أنه ينقل الأزمة السودانية من كونها حربًا أهلية ذات بعد داخلي، إلى نزاع إقليمي ودولي تُستخدم فيه أدوات الحرب بالوكالة، على رأسها المرتزقة والسلاح المتطوّر. وإذا كانت الإمارات قد لعبت الدور ذاته في ليبيا واليمن، فإنها اليوم تنقل تجربتها إلى السودان، مستغلة ضعف المنظومة الدولية وميل بعض الدول الغربية للتغاضي عن تجاوزاتها، بسبب المصالح الاقتصادية أو التنسيق الأمني.
غير أن استهداف طائرتها هذه المرة قد يغيّر قواعد اللعبة، إذ يشكل إحراجًا علنيًا لأبوظبي أمام الرأي العام الدولي، خصوصًا مع وجود جثث كولومبيين كدليل حي على تورّطها.
ويبقى السؤال الأبرز: هل سيتحرك المجتمع الدولي للتحقيق في جرائم الحرب هذه، ومحاسبة الإمارات على خرقها السافر للقانون الدولي؟ أم ستُترك السودان فريسة لصراع مفتوح يُدار من الخارج، وسط صمت أممي وعربي مخجل؟
خاتمة
إن تدمير الطائرة الإماراتية المحمّلة بالأسلحة والمرتزقة، لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا، بل هو مؤشر خطير على عمق التدخل الخارجي في السودان، وتحديدًا الدور التخريبي الذي تمارسه أبوظبي عبر وكلائها في المنطقة. وإذا لم تُواجَه هذه التدخلات بحزم وشفافية من المجتمع الدولي، فإن السودان سيتحول إلى ساحة دموية دائمة، يدفع فيها المدنيون ثمن صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
اقرأ أيضًا : البرهان يتوعد بـ”دحر الدعم السريع” في دارفور.. والإمارات تواصل تأجيج الحرب