في مشهد يصعب تصديقه، أعلن مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، مساء الثلاثاء، أن 21 طفلاً فلسطينيًا استشهدوا خلال 72 ساعة فقط بسبب الجوع وسوء التغذية، في دلالة جديدة على أن قطاع غزة، الذي تحاصره آلة الحرب الإسرائيلية منذ أكثر من 21 شهرًا، بات يغرق في مجاعة ممنهجة تطال الصغار قبل الكبار، في ظل غياب تام لأي تدخل دولي حقيقي لوقف الكارثة.
وأكد مدير مجمع الشفاء، الدكتور محمد أبو سلمية، أن أرقام الوفيات ترتفع بشكل متسارع، محذرًا من أننا أمام “أرقام مخيفة” في الأيام المقبلة إذا استمر التجويع المتعمد. وأوضح أبو سلمية أن الوفيات الأخيرة سُجلت في ثلاثة مستشفيات بالقطاع، شمالاً وجنوبًا، ما يعكس اتساع رقعة المجاعة وشمولها لجميع مناطق غزة.

أرقام مرعبة وسط صمت دولي مخزٍ
بحسب التصريحات الطبية، يعاني أكثر من 900 ألف طفل في القطاع من الجوع، بينهم نحو 70 ألفًا دخلوا بالفعل مرحلة “سوء التغذية الحاد”، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الجسد بالانهيار التدريجي بسبب نقص العناصر الأساسية اللازمة للبقاء على قيد الحياة. هذا الجوع لا يقتل دفعة واحدة، بل ينهش الجسد ببطء، ويحرم الأطفال من النمو والمناعة، إلى أن يتوقف القلب فجأة.
يأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى أن المجاعة باتت تطرق كل أبواب غزة، إذ حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أمام مجلس الأمن من أن “سوء التغذية يتفاقم، والمجاعة تطرق كل الأبواب”، مضيفًا أن النظام الإنساني العالمي يحتضر، بسبب غياب الشروط اللازمة للعمل الإغاثي من أمن وممرات إنسانية وحيز للتحرك.
ووسط هذا الانهيار الأخلاقي، لا تزال دولة الاحتلال تمارس سياسة التجويع كسلاح عسكري ضد سكان غزة، متجاهلة كل الأعراف الدولية التي تجرم استخدام الحصار والتجويع كأساليب حرب. بل تتجاوز إسرائيل كل حدود الجريمة حين تعمد إلى استهداف المدنيين العُزّل خلال محاولاتهم الحصول على مساعدات، وتطلق النار عليهم بدم بارد.
الإبادة الغذائية.. جريمة مكتملة الأركان
منذ أواخر مايو/أيار الماضي، تسجل المؤسسات الحقوقية في القطاع والهيئات الأممية تقارير يومية تقريبًا عن مجازر بحق المدنيين الذين يصطفون في طوابير طويلة لساعات، تحت أشعة الشمس الحارقة، في انتظار شاحنة تحمل القليل من الطحين أو المعلبات. هذه المشاهد لا تنتهي فقط بخيبة الأمل، بل كثيرًا ما تنتهي بدماء، حيث يطلق جنود الاحتلال النار على الحشود، بحجة “الفوضى”، أو “الاقتراب من نقاط أمنية”.
وأكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن أكثر من 1050 فلسطينيًا قُتلوا حتى 21 يوليو/تموز أثناء محاولتهم الحصول على الطعام، 766 منهم سقطوا قرب نقاط توزيع أنشأتها مؤسسات أهلية في غزة، و288 آخرون قُتلوا قرب قوافل مساعدات تتبع للأمم المتحدة ومنظمات دولية.
هذا الاستهداف المتكرر ينزع القناع عن النوايا الحقيقية للاحتلال، ويثبت أن إسرائيل لا تكتفي بمنع دخول الطعام والدواء، بل تسعى لتجريم كل من يحاول إنقاذ الضحايا من المجاعة، سواء من السكان أو من المؤسسات الإغاثية.
المجتمع الدولي.. بيانات بلا جدوى
في المقابل، لا تزال ردود الفعل الدولية، رغم ارتفاع نبرة بعض التصريحات، عاجزة عن إحداث أي تغيير فعلي على الأرض. فقد دعت 25 دولة غربية، من بينها بريطانيا وفرنسا، إلى وقف فوري للحرب، معتبرة أن الوضع الإنساني في غزة “وصل إلى مستوى غير مسبوق”. ومع ذلك، لم تُتخذ أي خطوات ملموسة لفرض هدنة أو ضمان تدفق المساعدات.
وفي موقف نادر، أدانت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، عمليات قتل المدنيين عند نقاط توزيع الغذاء، قائلة: “قتل مدنيين يطلبون مساعدات في غزة أمر لا يمكن الدفاع عنه”، مطالبة الجيش الإسرائيلي بوقف هذه الجرائم. لكن، كما هو معتاد، توقفت المواقف عند حد التنديد دون تحرك سياسي أو قانوني يردع الاحتلال.
مجزرة الشفاء.. نذير قادم لما هو أبشع
مشهد 21 جثمانًا صغيرًا، بعضها واهن الملامح، نحيل الأضلاع، لا يشبه سوى صور المجاعات الكبرى التي مرت في العصور الغابرة. اليوم، في عام 2025، تعود المجاعة إلى قلب الشرق الأوسط، لا بسبب الجفاف أو الكوارث الطبيعية، بل نتيجة قرار سياسي من قوة عسكرية متقدمة قررت أن تجوّع شعبًا بأكمله.
هذه الجريمة ليست حدثًا عرضيًا، بل سياسة منظمة يقودها الاحتلال الإسرائيلي لإخضاع غزة، بعدما فشلت كل أدوات الحرب التقليدية في كسر إرادة المقاومة. والنتيجة: أطفال يموتون على أسرّتهم، أمهات يفقدن فلذات أكبادهن، ومستشفيات تتحول إلى غرف نعي جماعي.
المأساة الآن ليست فقط في غزة، بل في أعين العالم كله الذي يرى ويصمت، يسمع ويعجز، يندد لكنه لا يتحرك. ولعلّ مجزرة الشفاء الأخيرة تفتح باب المساءلة، إن لم يكن من السياسيين، فعلى الأقل من الشعوب التي يجب أن تتحرك قبل أن تُمحى غزة من الخريطة بفعل الجوع، لا القنابل.
اقرأ أيضًا : خسائر متلاحقة: قتيلان من جيش الاحتلال بضربات للمقاومة جنوب غزة وسط تزايد الكلفة البشرية