في أحدث الضربات الموجعة التي تتلقاها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل اثنين من جنوده، أحدهما في مدينة رفح جنوب القطاع، والآخر في دير البلح وسط القطاع، في عمليتين منفصلتين نفذتهما المقاومة الفلسطينية، مما يعكس استمرار قدرات المقاومة على تنفيذ عمليات نوعية رغم مرور أكثر من تسعة أشهر على العدوان.
ففي حي الجنينة برفح، قُتل الرقيب أول فلاديمير لوزا وأصيب جنديان آخران بجراح خطيرة، إثر تفجير عبوة ناسفة زرعتها المقاومة مسبقاً داخل أحد المنازل. ووفق بيان جيش الاحتلال، كانت القوة العسكرية في مهمة تفتيش وتجهيز لهدم المباني، وعندما تم رفع أحد الأجسام، انفجرت العبوة تحتها، ما أدى إلى انهيار المبنى بالكامل فوق الجنود. الحدث تطلب ساعات طويلة من عمليات البحث والإنقاذ، تخللتها إطلاق كثيف لقنابل الإنارة، وسط صمت إعلامي نسبي في البداية، قبل أن تؤكده المواقع الإسرائيلية لاحقاً وتصفه بـ”الحدث الصعب”.
أما في دير البلح، فقد قتل الجندي عميت كوهين من لواء غولاني خلال اشتباكات مع مقاتلي المقاومة في اللحظات الأولى للتوغل في المنطقة. وأفادت تقارير إسرائيلية بأن المقاومة استهدفت منزلاً يتحصن فيه جنود الاحتلال بقذيفة مباشرة، ما أدى إلى مقتل كوهين وإصابة اثنين آخرين بجراح خطيرة. العملية تعكس أسلوب المقاومة في استدراج القوات إلى مناطق مفخخة ومسيطر عليها نارياً.

تسلسل الخسائر اليومية يربك القيادة الإسرائيلية
رغم محاولات الرقابة العسكرية الإسرائيلية حجب كثير من تفاصيل العمليات والخسائر، تُظهر البيانات التي تم الإفصاح عنها أن شهر يوليو وحده شهد مقتل 18 جندياً حتى الآن، بعضهم في مواجهات مباشرة مع المقاومة، وآخرون في تفجيرات موجهة أو حوادث داخلية مرتبطة باضطرابات نفسية.
ووفقاً للإحصائيات المنشورة، شهدت الأيام الماضية تزايداً لافتاً في عدد قتلى الجيش الإسرائيلي، منها خمس حالات انتحار لجنود شاركوا في المعارك، ما يعكس تصاعد الضغط النفسي الحاد الذي يتعرض له الجنود. كما وقعت عدة تفجيرات استهدفت دبابات ومبانٍ مفخخة، أودت بحياة جنود وضباط، مما يبرز التحديات التي تواجه القوات في التعامل مع البيئة المعقدة داخل قطاع غزة.
منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023، بلغ عدد القتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي -بحسب الأرقام الرسمية- 895 ضابطاً وجندياً. غير أن تقارير ميدانية وتقديرات استخباراتية تشير إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك بكثير، في ظل سياسة التعتيم الإعلامي وحظر نشر تفاصيل دقيقة حول عدد الجثث المتناثرة في مناطق العمليات.
ويُلاحظ أن المقاومة، وخاصة في المناطق الجنوبية كرفح وخان يونس، تتبنى تكتيك “تفخيخ العقارات”، حيث يتم تجهيز المنازل بعبوات تنفجر عند دخول الجنود أو محاولة تفتيش المكان، وهو ما يؤدي إلى خسائر بشرية ومادية مضاعفة.
فعالية المقاومة وارتباك الاحتلال في ساحة حرب لا يمكن السيطرة عليها
تُظهر الحوادث الأخيرة فشلاً استخباراتياً وتكتيكياً متكرراً في تقديرات جيش الاحتلال، فاستمرار دخول الجنود إلى مناطق مفخخة دون اكتشاف العبوات مسبقاً، يدل على قصور في عمليات الرصد والاستطلاع. كما أن استهداف الجنود في لحظات التوغل الأولى يعكس دقة رصد المقاومين لتحركات الجيش وتفوقهم في التخفي والعمل ضمن بنية تحتية معقدة.
التفوق النوعي الذي أظهرته المقاومة في رفح ودير البلح، يضع قيادة الأركان الإسرائيلية في مأزق متجدد، خاصة أن هذه المناطق سبق إعلان “السيطرة” عليها عسكرياً في مراحل سابقة، ما يفتح باب التشكيك في مصداقية الرواية العسكرية الإسرائيلية حول مدى تقدم العمليات البرية.
كما أن تصاعد حالات الانتحار والانهيارات النفسية في صفوف الجنود، وخاصة أولئك العائدين من غزة، يمثل أحد أبرز المؤشرات على المأزق الاستراتيجي الذي يعيشه الجيش الإسرائيلي، والذي لا يستطيع تحقيق أهدافه العسكرية دون خسائر باهظة في الأرواح.
اللافت أن بعض العمليات تُنفذ في وضح النهار، وأمام أنظمة مراقبة واستطلاع متطورة، ما يُشير إلى أن المقاومة لم تفقد قدراتها العملياتية، بل نجحت في التكيف مع طبيعة المعركة المستمرة منذ قرابة عشرة أشهر. كما نجحت في تحطيم أسطورة “التفوق الإسرائيلي الاستخباري”، وفرضت معادلة مفادها أن كل خطوة إسرائيلية في غزة تحمل معها ثمناً دموياً باهظاً.
كلفة الاحتلال تتصاعد… والمقاومة تواصل الضرب تحت الأنقاض
مع كل يوم يمر، يتعمق مأزق الاحتلال الإسرائيلي في غزة، فالمعركة لم تعد تدور على الأرض فحسب، بل في الوعي العسكري والنفسي للجنود والقادة. فالضربات المتتالية التي تتعرض لها وحدات النخبة، كما في دير البلح ورفح، تُظهر هشاشة البنية الميدانية لقوات الاحتلال في مواجهة مقاومة شرسة لا تعتمد فقط على الصواريخ، بل على تكتيكات الكر والفر وتفخيخ الأبنية وزرع العبوات.
ومع مواصلة المقاومة استنزاف العدو ميدانياً ونفسياً، يبقى السؤال: إلى متى يمكن لقيادة الاحتلال أن تُخفي الحقائق عن جمهورها، ومتى ستجد نفسها مضطرة للاعتراف بأن غزة عصية على الإخضاع، وأن الكلفة باهظة أكثر مما كانت تتصور.
اقرأ أيضًا : انتفاضة الشعوب العربية ضد التجويع والحرب على غزة.. الغضب الشعبي يكسر حاجز الصمت الرسمي