في لحظة رمزية من تاريخ سوريا الجديد، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم 28 مارس/آذار 2025، تعيين الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي مفتياً عاماً للجمهورية العربية السورية، في خطوة تُعيد إحياء منصب المفتي العام الذي ألغاه النظام السابق، وتُجسد التغيير الجذري في بنية الدولة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
القرار جاء في إطار مؤتمر تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى، ليؤسس لعهد جديد من الفتوى الجماعية، والعودة إلى خطاب ديني معتدل يعكس روح الثورة ووعي المرحلة الانتقالية.

عودة المنصب الشرعي بوجه جديد
قال الرئيس الشرع في كلمته: “كان لزاماً علينا أن نعيد لسوريا ما هدمه النظام الساقط، ومن أهمها إعادة منصب المفتي العام للجمهورية العربية السورية”، مؤكداً أن الشيخ أسامة الرفاعي “رجل من خيرة علماء الشام”.
وأشار إلى أن مجلس الإفتاء الجديد سيتولى مسؤولية الفتوى بطريقة جماعية تعتمد البحث والتحري، وتُعنى بضبط الخطاب الديني المعتدل الجامع، الذي يعزز الهوية الوطنية ويقضي على الفُرقة والتطرف.
وقد نُشر القرار الرئاسي عبر منصات الرئاسة السورية، مُعلناً تشكيل مجلس إفتاء يضم 15 عضواً برئاسة الرفاعي، يتولى إصدار الفتاوى في المستجدات والنوازل، وتحديد المهام والاختصاصات الشرعية للمفتين في المحافظات. وهو ما يعكس توجهاً نحو مؤسسة دينية راشدة تُستعاد عبرها ثقة المجتمع.
سيرة شيخٍ مناضل: من دمشق إلى المنفى ثم العودة
ولد أسامة بن عبد الكريم الرفاعي عام 1944 في العاصمة دمشق، في بيت علم ودعوة، فهو نجل الشيخ العلامة عبد الكريم الرفاعي، وشقيق الداعية الراحل سارية الرفاعي.
نشأ وتعلم في دمشق، ودرس اللغة العربية وعلومها في جامعة دمشق، وتلقى العلوم الشرعية على يد والده وكبار علماء الشام كعبد الغني الدقر وسعيد الأفغاني وأحمد الشامي.
لكن الشيخ لم يكن مجرد فقيه تقليدي، بل كان من أوائل من ناهضوا النظام الأسدي، بشقيه الأب والابن.
عرف بمواقفه المناهضة لحافظ الأسد ومجازر النظام، خاصة مجزرة حماة 1982، واستمر على خط المواجهة الفكرية ضد بشار الأسد، ودفع الثمن غالياً.
فبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحوّل المسجد الذي كان يخطب فيه إلى منبر للثوار، وتعرّض شخصياً للاعتداء من الشبيحة والأمن خلال صلاة التهجد في رمضان، فنُقل مصاباً إلى المستشفى.
غادر بعدها إلى تركيا، وتحديداً إسطنبول، وهناك لم يتوقف عن أداء رسالته، فألقى الدروس في مسجد “ميهريما سلطان”، وأسس المجلس الإسلامي السوري عام 2014، وانتُخب مفتياً عاماً من قبل المعارضة السورية عام 2021، في غازي عنتاب، في اجتماع شاركت فيه 40 هيئة شرعية من مختلف الفصائل الإسلامية السورية.
بين التصوف السني ومناهضة التكفير
يُنسب الشيخ الرفاعي إلى “جماعة زيد”، وهي جماعة صوفية سنية معتدلة أسسها والده، وتميّزت بنهجها الوسطي وانخراطها في العمل الخيري.
هو من المناهضين للفكر التكفيري، حيث انتقد علناً تنظيم القاعدة وداعش، وصرّح بأن “الفكر التكفيري لا مكان له في سوريا”، كما حمّل التنظيمات الأجنبية مسؤولية تشويه الثورة وتخريب المجتمع، بل واعتبرها أحياناً “بلاءً أكبر من النظام نفسه”.
كان واضحاً في مواقفه من إيران، حيث اتهمها بتأجيج الفتنة الطائفية في سوريا والعراق واليمن، كما ظل على موقفه الرافض لتسييس الفتوى، وانتقد بشدة استغلال الدين لتبرير الاستبداد والقمع.
المفتي الذي انتخبته الثورة
منذ إسقاط النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، ظل اسم أسامة الرفاعي يتردد كأحد أبرز رموز المرحلة الانتقالية. ورغم بلوغه الـ81 عاماً، فقد ظل يُنظر إليه على أنه أحد رموز الاعتدال، وصوت الثورة في الخطاب الديني.
تعيينه مفتيًا عاماً اليوم، ليس فقط انتصارًا للعلماء الأحرار، بل هو إعادة اعتبار لصوت الشعب الذي ثار لأجل الكرامة والعدالة.
مفتي الدولة الجديدة
تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتيًا لسوريا يحمل دلالات سياسية وروحية عميقة: فهو الوجه العلمي والثوري، وهو المفتي الذي نُكّل به من قبل النظام ثم عاد إلى دمشق فاتحًا بعد سقوط الطغيان.
إنه تتويج لمسار طويل من النضال، وإشارة واضحة إلى أن الثورة لم تُقصِ العلماء بل احتفت بهم، وأن الدين سيكون حاضراً في بناء الدولة الجديدة، لا بوصفه أداة للهيمنة، بل مرجعية أخلاقية وروحية في إطار مؤسسي واضح.
وفي سوريا الجديدة، التي ما زالت تخوض صراعاً من أجل إعادة بناء مؤسساتها، يعلّق كثيرون آمالاً على أن يشكّل مجلس الإفتاء الأعلى، برئاسة الرفاعي، منصة جامعة لأهل العلم، تساهم في ترشيد الخطاب الديني، وتحقيق المصالحة المجتمعية، وتحصين البلاد من أفكار الغلو والتفكك.
ختامًا
الشيخ أسامة الرفاعي ليس مجرد فقيه عاد إلى وطنه، بل رمز لمرحلة ما بعد الدمار، وأحد ملامح سوريا الجديدة. مسيرة طويلة من العلم، والنفي، والمطاردة، ثم العودة والتكريم، تُتوّج اليوم بمنصب المفتي العام، في مشهد يتجاوز الدلالة الدينية إلى الإشارة السياسية: مفتي الثورة عاد، ليُعيد للفتوى هيبتها، وللدين مكانته الأصيلة في حياة السوريين.
اقرأ أيضًا : المال مقابل النفوذ: منحة الإمارات لمستشفى المقاصد تثير الريبة في الشارع الفلسطيني