تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا متزامنًا في عمليات الهدم والاستيطان وعنف المستوطنين، بالتوازي مع توسيع القيود العسكرية على البلدات الفلسطينية، في مشهد حذرت الأمم المتحدة من أنه يدفع نحو الضم الفعلي للضفة وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي أحدث التطورات، أعلن جيش الاحتلال بلدتي قصرة وجالود جنوب نابلس منطقتين عسكريتين مغلقتين، بعد اقتحام مستوطنين أراضي ومنازل فلسطينية والاستيلاء عليها. وأقر الجيش نفسه بأن عمليات المستوطنين «غير قانونية»، لكنه فرض القيود على المنطقة بأكملها، بما يعني عمليًا أن السكان الفلسطينيين يدفعون ثمن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون.
المستوطن يعتدي.. والجيش يغلق القرية
تكشف أحداث قصرة وجالود نموذجًا متكررًا في الضفة: مستوطنون يقتحمون الأراضي والمنازل، ثم يتدخل جيش الاحتلال بفرض أوامر عسكرية وإغلاق الطرق والمناطق الفلسطينية بدل إزالة المستوطنين ومحاسبتهم.
بل إن الجيش اعترف بمحاولة مستوطنين دخول المنطقة المغلقة متخفين داخل سيارة إسعاف، ومع ذلك ظل الإجراء الأبرز هو فرض الإغلاق العسكري على محيط البلدتين.
وهذا يعكس معادلة باتت أكثر وضوحًا على الأرض: عنف المستوطنين يخلق واقعًا جديدًا، ثم تأتي الإجراءات العسكرية لتثبيت السيطرة على المنطقة وحركة الفلسطينيين فيها.
40 منشأة تُهدم في جنين خلال ساعات
وبالتزامن، شرعت جرافات الاحتلال في هدم نحو 40 منشأة تجارية وصناعية شرقي جنين، بينها منشآت قائمة منذ أكثر من 15 عامًا، بعد إخطار أصحابها بالهدم بذريعة عدم الترخيص واعتبار المنطقة عسكرية.
وقال مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين إن الاحتلال وزع منذ بداية أغسطس وحده نحو 107 إخطارات تستهدف مباني سكنية وتجارية وزراعية في المحافظة.
وتأتي عمليات الهدم بالتزامن مع محاولات إسرائيلية لإعادة الاستيطان في مستوطنات أُخليت عام 2005، وشق طرق تربط المستوطنات والبؤر الجديدة ببعضها، بما اعتبره مسؤولون فلسطينيون محاولة لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لشمال الضفة.
وفي بيت لحم، هدمت قوات الاحتلال منزلًا مأهولًا مكونًا من ثلاثة طوابق في قرية المعصرة، بينما سُلّمت إخطارات جديدة بهدم مدرسة ومساكن ومزارع في مسافر يطا، بالتوازي مع هدم منشآت زراعية وردم آبار مياه.
الأمم المتحدة: الضفة عند نقطة انهيار
التطورات الميدانية دفعت الأمم المتحدة إلى إطلاق أحد أكثر تحذيراتها وضوحًا، إذ قال نائب المنسق الأممي لعملية السلام رامز الأكبروف إن الضفة الغربية وصلت إلى «نقطة انهيار»، وإن ما يجري ليس تدهورًا عابرًا بل نتيجة مسار متراكم يعمق الاحتلال ويقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ووثقت الأمم المتحدة منذ بداية عام 2026 أكثر من 1430 اعتداءً نفذه مستوطنون وأسفر عن إصابات أو أضرار بالممتلكات، وطال نحو 290 تجمعًا فلسطينيًا.
كما قُتل 76 فلسطينيًا منذ بداية العام، بينهم 18 طفلًا، بينما هُجّر نحو 3800 فلسطيني خلال 2026 وحده نتيجة عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء.
12 ألفًا و860 وحدة استيطانية في أشهر
لا يتوقف التصعيد عند اعتداءات المستوطنين.
فقد اعتمدت سلطات الاحتلال منذ بداية العام نحو 12 ألفًا و860 وحدة استيطانية جديدة في الضفة والقدس الشرقية، بينها 7200 وحدة في المنطقة «ج» و5160 وحدة في القدس الشرقية.
كما خصصت الحكومة الإسرائيلية نحو 431 مليون دولار لدعم إنشاء 34 مستوطنة جديدة، في وقت أعلن مسؤولون إسرائيليون صراحة أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية ومنع قيام دولة فلسطينية.
وأشارت الأمم المتحدة كذلك إلى أن البؤر الاستيطانية الزراعية والرعوية باتت تفرض سيطرة فعلية على نحو 20% من مساحة الضفة الغربية.
من المنطقة «ج» إلى قلب المناطق الفلسطينية
الأكثر خطورة أن عنف المستوطنين لم يعد محصورًا في المناطق الخاضعة أصلًا للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
فبحسب الأمم المتحدة، بدأت الاعتداءات تمتد من المنطقة «ج» إلى المنطقتين «ب» و«أ»، في حين بدأت إسرائيل بنقل صلاحيات مرتبطة بالتخطيط والأراضي من الإدارة العسكرية إلى سلطاتها المدنية، وهي خطوة ينظر إليها باعتبارها جزءًا من عملية الضم التدريجي.
وسجلت الأمم المتحدة أيضًا حالة غير مسبوقة لمصادرة أراض فلسطينية خاصة في المنطقة «أ» قرب قباطية جنوب جنين بهدف إنشاء طريق يخدم مستوطنات إسرائيلية، ما يكسر حتى الحدود التي فرضتها اتفاقيات أوسلو نفسها.
التهجير يسبق الاستيطان
وتشير البيانات الأممية إلى تهجير سكان 127 تجمعًا فلسطينيًا كليًا أو جزئيًا منذ بداية 2023، بينها 47 تجمعًا أُفرغ بالكامل، بما أثر في أكثر من 6390 فلسطينيًا.
وفي حالات متعددة، استولى المستوطنون لاحقًا على الأراضي التي اضطر الفلسطينيون إلى مغادرتها.
وهنا تتضح الآلية: اعتداءات مستمرة، تخريب للمياه والممتلكات، تهديدات، إغلاق عسكري، ثم رحيل السكان، ليأتي الاستيطان بعد ذلك ويحول التهجير إلى واقع دائم.
حماس تدعو إلى الوحدة والمقاومة
وفي مواجهة التصعيد، قالت حركة حماس إن عمليات الهدم والاستيلاء على الأراضي والتهجير تفرض تعزيز الوحدة الفلسطينية والتضامن والدفاع عن الأرض، معتبرة أن الضفة تواجه محاولات متصاعدة للتهويد واقتلاع السكان من قراهم وبلداتهم.
ودعت الحركة إلى مساندة العائلات التي هدمت منازلها والمتضررين من الاعتداءات، مؤكدة أن سياسة العقاب الجماعي لن تُواجه إلا بتعزيز التكافل والموقف الفلسطيني الموحد.
الضفة تتغير أمام العالم
ما يحدث اليوم ليس سلسلة حوادث منفصلة: 40 منشأة تُهدم في جنين، منزل يُسوى بالأرض في بيت لحم، بلدات تُغلق عسكريًا بعد اقتحام المستوطنين، آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، ومجتمعات فلسطينية تُهجّر بالكامل.
هذه الوقائع تتراكم في اتجاه واحد: تفريغ الأرض تدريجيًا من الفلسطينيين، وتوسيع السيطرة الاستيطانية، وتحويل الضم من إعلان سياسي مستقبلي إلى واقع يُفرض يومًا بعد يوم.
ولهذا جاء التحذير الأممي بأن الضفة تقترب من «نقطة اللاعودة» أكثر من مجرد تعبير دبلوماسي؛ فإسرائيل لا تنتظر قرارًا رسميًا بضم الضفة، بل تنفذه على الأرض عبر المستوطن والجيش والجرافة والطريق الاستيطاني.
فالاحتلال يهدم، والمستوطن يستولي، والجيش يحمي ويغلق القرى، ثم تتحول الأرض المنتزعة إلى مستوطنة جديدة. وبينما يحذر العالم من «احتمال الضم»، تكشف الأرقام أن الضم الفعلي يجري بالفعل، مترًا بعد متر وقرية بعد أخرى.