في لحظة تُعد مفصلية في مسار العدالة الدولية تجاه جرائم الاحتلال الإسرائيلي، تُصدر محكمة العدل الدولية اليوم الأربعاء حكمها المنتظر بشأن مدى قانونية منع إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وهو الحصار الذي دام أشهراً وأدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.

القرار الثالث ضد الاحتلال: اختبار جديد للمجتمع الدولي
يأتي هذا القرار المرتقب ليكون الثالث من نوعه الذي تصدره المحكمة بشأن ممارسات إسرائيل منذ اندلاع العدوان على غزة قبل أكثر من عامين. ففي يوليو/تموز الماضي، قضت المحكمة بأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وفي يناير من العام ذاته أصدرت قراراً في قضية الإبادة الجماعية، أمرت فيه تل أبيب باتخاذ كل التدابير اللازمة لمنع ارتكاب جريمة إبادة جماعية.
أما اليوم، فتركّز المحكمة في لاهاي على البعد الإنساني والقانوني للحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، إذ تطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة رأياً استشارياً حول ما إذا كانت تل أبيب قد انتهكت القانون الدولي الإنساني من خلال منعها وصول المساعدات إلى أكثر من مليوني إنسان يعيشون في ظروف مأساوية داخل القطاع.
ورغم أن الحكم المنتظر غير ملزم قانونياً، فإنه يحمل ثقلاً سياسياً ومعنوياً كبيراً، وقد يفتح الباب لمزيد من الضغوط الدولية على إسرائيل للسماح بتدفق المساعدات الإنسانية، ووقف سياسة التجويع والعقاب الجماعي التي تنتهجها منذ اندلاع الحرب.
الحصار كجريمة حرب.. غزة تختنق ببطء
منذ الأيام الأولى للحرب، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على قطاع غزة، قطعت خلاله الكهرباء والمياه والوقود، ومنعت دخول المواد الغذائية والطبية إلا بكميات محدودة لا تكفي الحد الأدنى من احتياجات السكان. وتحوّلت المعابر –وخاصة كرم أبو سالم ورفح– إلى أوراق ضغط سياسي وأداة ابتزاز إنساني تُستخدم في المفاوضات.
تُقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 80% من سكان القطاع يعانون من انعدام الأمن الغذائي، فيما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الأطفال في غزة يواجهون خطر الموت جوعاً نتيجة القيود الإسرائيلية الصارمة على دخول المساعدات. وفي الوقت نفسه، وثقت منظمات دولية استهداف القوات الإسرائيلية لشاحنات الإغاثة ومستودعات المساعدات وحتى طوابير المنتظرين للغذاء، ما جعل الحصار لا يُمارس فقط عبر المنع، بل أيضاً عبر القتل.
تصف منظمات حقوقية عديدة –بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”– الحصار بأنه “جريمة حرب متكاملة الأركان” تنتهك اتفاقيات جنيف الرابعة، وتندرج تحت مفهوم العقاب الجماعي الذي يحظره القانون الدولي. كما تؤكد هذه المنظمات أن الاحتلال يستخدم الحصار كسلاح سياسي لإخضاع المدنيين، في حين أن القانون الإنساني الدولي يُلزم قوة الاحتلال بضمان حياة السكان الواقعين تحت سيطرتها، لا بتجويعهم.
الهجمات على موظفي الأمم المتحدة.. انتهاك لحرمة القانون الدولي
من بين النقاط التي ستتناولها محكمة العدل الدولية في حكمها اليوم، قضية استهداف إسرائيل لموظفي الأمم المتحدة ومنشآتها في غزة. فقد قُتل أكثر من 200 من موظفي وكالة “أونروا” ومنظمات إنسانية أخرى منذ اندلاع الحرب، وهو رقم وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه “الأعلى في تاريخ المنظمة”.
ووفقاً لتقارير أممية، تعمّدت القوات الإسرائيلية قصف مدارس وملاجئ تديرها الأمم المتحدة، رغم الإحداثيات الدقيقة التي كانت بحوزتها، مما اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكاً صارخاً لاتفاقية فيينا الخاصة بحماية موظفي البعثات الإنسانية والدبلوماسية.
ورغم احتجاجات الأمم المتحدة المتكررة، تواصل إسرائيل إنكار مسؤوليتها، متذرعة بما تسميه “وجود عناصر مسلحة” داخل تلك المنشآت، وهي ذريعة لطالما استخدمتها لتبرير قصف المدنيين في حروبها المتكررة على غزة.
جنوب أفريقيا: العدالة لا تتوقف بوقف النار
يتزامن هذا القرار مع استمرار الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام المحكمة نفسها بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة. وقد أكدت بريتوريا قبل أيام أنها ماضية في هذه الدعوى رغم وقف إطلاق النار، مشددة على أن العدالة لا تسقط بانتهاء القتال، وأن محاسبة الجناة ضرورة لحماية النظام الدولي من الانهيار الأخلاقي.
تستند جنوب أفريقيا في موقفها إلى أن استمرار الحصار ومنع المساعدات يمثلان دليلاً إضافياً على نية الإبادة، إذ إن تجويع المدنيين عمداً وحرمانهم من الدواء والغذاء يُعدان من أكثر صور الإبادة بطئاً وقسوة.
ما بعد الحكم: بين القانون والواقع السياسي
مهما كان رأي محكمة العدل الدولية واضحاً في إدانة إسرائيل، يبقى السؤال الأهم: هل سيتحوّل هذا القرار إلى خطوة عملية تُنهي الحصار فعلاً؟ التجارب السابقة تُظهر أن إسرائيل اعتادت تجاهل قرارات المحكمة والأمم المتحدة، في ظل الحماية السياسية الأمريكية والدعم الأوروبي المستمر.
لكن الأهمية الكبرى لهذا الحكم تكمن في تراكم الوثائق القانونية التي تُثبت أمام العالم الطابع الإجرامي للاحتلال، وتفتح الباب أمام ملاحقات قانونية لاحقة في المحاكم الوطنية والدولية، وربما أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وفي النهاية، يمثل هذا اليوم اختباراً مزدوجاً: اختباراً لضمير العالم في مواجهة جريمة التجويع الجماعي، واختباراً لمدى قدرة القانون الدولي على حماية أبسط حقوق الإنسان في وجه دولة اعتادت الإفلات من العقاب. وإذا لم يتحوّل الحكم إلى ضغط فعلي، فسيبقى الحصار على غزة شاهداً على عجز العدالة الدولية عن إنقاذ من يُحاصرون بالموت كل يوم.
اقرأ أيضًا : ثبات المقاومة يصدر اليأس للاحتلال واتباعه: ترامب يعلن غياب جدول زمني لنزع سلاح حماس