في تصريحات جديدة أثارت جدلاً واسعاً، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه “لا يوجد جدول زمني قطعي” لنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مشيراً إلى أن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة “سيعتمد على تطور الأوضاع ميدانياً وسياسياً خلال المرحلة المقبلة”. هذا التصريح، الصادر عن مهندس خطة الاتفاق نفسه، يعكس بوضوح إدراك الإدارة الأميركية لصعوبة فرض نزع السلاح على حركة صمدت في وجه واحدة من أعنف الحروب التي شهدها القطاع، ويشير ضمنياً إلى أن المقاومة نجحت في فرض واقع ميداني وسياسي جديد، جعل إسرائيل وحلفاءها أمام معادلة شديدة التعقيد.

أولاً: تصريحات ترامب بين الواقعية السياسية والاعتراف بالعجز

خلال مقابلة مع قناة “فوكس بيزنس” الأميركية، قال ترامب إن التوصل إلى الاتفاق لم يكن ممكناً “إلا بعد إقصاء إيران من هذا المسار والقضاء على قدراتها النووية”، موضحاً أن واشنطن تتابع التطورات في غزة عن كثب، لكنه أضاف: “ليس هناك جدول زمني، وليس هناك مسار صارم، لكننا سنرى كيف ستسير الأمور”. هذه العبارات تكشف تحوّلاً لافتاً في خطاب الإدارة الأميركية التي كانت قبل شهور تتحدث عن “تفكيك شامل” لقدرات حماس العسكرية خلال فترة زمنية محددة، لتجد نفسها اليوم تتحدث بلغة المراقب لا الفاعل، وهو ما يعبّر عن فشل المسار العسكري والسياسي الإسرائيلي في فرض إرادته على المقاومة.

يأتي هذا التراجع الأميركي في سياق إدراك متزايد داخل واشنطن أن نزع سلاح حماس لم يعد هدفاً عملياً يمكن تحقيقه دون إشعال حرب جديدة ستؤدي إلى نتائج عكسية تماماً. فالمقاومة، رغم الدمار الهائل والظروف الإنسانية الكارثية، ما زالت تمتلك بنية تنظيمية قادرة على الصمود، وقد فرضت على إسرائيل الانسحاب إلى ما يعرف بـ”الخط الأصفر” ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، بعد حرب مدمرة بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأودت بحياة أكثر من 68 ألف فلسطيني.

ثانياً: اتفاق ترامب.. من هندسة الانسحاب إلى اختبار النيات

يستند اتفاق وقف إطلاق النار إلى “خطة ترامب” التي وضعت بنوداً متعددة تشمل وقف القتال، والإفراج عن الأسرى، ونزع السلاح، وإدخال المساعدات الإنسانية. وقد بدأ تنفيذ المرحلة الأولى في 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وانسحاب جيش الاحتلال إلى الخط الأصفر، في حين أعلنت واشنطن لاحقاً بدء المرحلة الثانية التي تتعلق بترتيبات الحكم في قطاع غزة وتشكيل “قوة استقرار دولية” تعمل على ضبط الأمن ونزع السلاح تدريجياً.

إلا أن تصريحات ترامب الأخيرة تعني فعلياً أن عملية نزع السلاح لم تعد أولوية فورية، بل باتت رهينة للتوازنات الميدانية. فالإدارة الأميركية –التي كانت تراهن على فرض نزع السلاح كشرط مسبق لإعادة الإعمار– وجدت نفسها أمام واقع لا يمكن تجاوزه: أن القوة المسلحة للمقاومة، رغم كل ما تعرضت له، ما زالت تمثل عنصر ردع حقيقي يحول دون فرض ترتيبات أمنية تخدم إسرائيل وحدها.

كما أن حديث ترامب عن “إقصاء إيران من المسار” يعكس رغبة في إعادة صياغة المشهد الإقليمي بطريقة تُبعد طهران عن أي دور في غزة، إلا أن هذا الطموح يبدو بعيد المنال، إذ تؤكد الوقائع أن محور المقاومة أصبح أكثر تماسكاً، وأن نفوذ إيران لم يتراجع بل ازداد حضوراً مع فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها الميدانية والسياسية.

ثالثاً: المقاومة تفرض معادلة الردع وإسرائيل تغرق في المأزق

تأتي تصريحات ترامب في وقت تشهد فيه إسرائيل أزمة داخلية متفاقمة، مع تصاعد الغضب الشعبي ضد حكومة نتنياهو التي فشلت في إعادة الأسرى أو تحقيق “الردع الشامل” الموعود. ويبدو أن صمود حماس طوال عامين من الحرب، ثم قدرتها على التفاوض بندية، صدّر حالة من اليأس داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، حتى أصبح الحديث عن “نزع السلاح” أقرب إلى شعار سياسي منه إلى هدف واقعي.

هذا الثبات المقاوم جعل الإدارة الأميركية نفسها تتبنى نهجاً أكثر براغماتية، يدرك حدود القوة ويعترف بضرورة التعامل مع حماس كطرف فاعل على الأرض. بل إن بعض المحللين الأميركيين أشاروا إلى أن “التعامل مع حماس اليوم يشبه تعامل واشنطن سابقاً مع طالبان بعد عقدين من الحرب”، في إشارة إلى التحول من منطق “القضاء الكامل” إلى منطق “الاحتواء والتفاوض”.

في المقابل، يعيش الاحتلال الإسرائيلي مأزقاً متعدد الأبعاد: أزمة ثقة بين القيادة العسكرية والسياسية، تراجع في معنويات الجنود، وانقسام مجتمعي حول جدوى الحرب، فضلاً عن تزايد الضغوط الدولية لمحاسبة قادته على جرائم الإبادة في غزة. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل تحاول المناورة عبر إطالة المفاوضات والتمسك بملف الأسرى كورقة ضغط، بينما يواصل الفلسطينيون في القطاع جهود إعادة الحياة رغم الركام.

الخاتمة: ميزان القوة الجديد بين المقاومة والهيمنة الأميركية

تصريحات ترامب الأخيرة ليست مجرد تراجع تكتيكي، بل تعكس تحوّلاً استراتيجياً في إدراك واشنطن وحلفائها لطبيعة الصراع في غزة. فالمقاومة الفلسطينية، التي خرجت من الحرب وهي أكثر تماسكا رغم الكارثة الإنسانية، نجحت في فرض “قانون الردع المتبادل” وجعلت أي مشروع لنزع سلاحها رهينة للتوازنات الإقليمية، لا للإملاءات الأميركية أو الإسرائيلية.

ومع غياب الجدول الزمني لنزع السلاح، يتضح أن معركة غزة لم تنتهِ سياسياً رغم توقف النار عسكرياً. فالثبات الذي أظهرته المقاومة، وتحولها إلى عنصر رئيسي في أي معادلة مستقبلية، يرسل رسالة واضحة إلى الاحتلال وحلفائه: أن القوة لا تُصادر الإرادة، وأن ما فشل الاحتلال في تحقيقه بالنار، لن تنجح واشنطن في فرضه بالتفاوض.

اقرأ أيضًا :  اتحاد الشغل يعلن إضرابًا عامًا في قابس.. وقيود قيس سعيد تثير جدلًا حول حرية التعبير