في تصريح هو الأول من نوعه، كشف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، عن إحباط أكثر من 29 محاولة لإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة من داخل الأراضي العراقية، كانت تستهدف كيان الاحتلال الإسرائيلي وقواعد أميركية، خلال ما وصف بـ”حرب الأيام الـ12″ بين طهران وتل أبيب في يونيو الماضي.

إعلان السوداني، الذي جاء في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، فتح أبوابًا واسعة للنقاش والجدل داخل العراق وخارجه، بين من يراه موقفًا عقلانيًا لحماية السيادة، ومن يراه انحيازًا سافرًا لحماية “إسرائيل” وأمريكا على حساب قضية العرب الأولى: فلسطين.

محاولات الاستهداف.. من يقف وراءها؟

بحسب السوداني، فإن العمليات المحبطة كانت تهدف إلى “زعزعة استقرار العراق” و”جرّه إلى صراع إقليمي أوسع لا يخدم مصالح البلاد”. غير أن مصادر مطّلعة تحدثت عن أن هذه المحاولات نُسبت إلى فصائل مسلحة مرتبطة بمحور المقاومة، خصوصًا “كتائب حزب الله” و”النجباء”، والتي ترى أن الرد على العدوان الإسرائيلي جزء من واجبها القومي والديني.

الإعلان عن إفشال 29 محاولة يشير إلى نشاط واسع النطاق للفصائل العراقية خلال فترة التصعيد الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات بشأن الأولويات الوطنية: هل أصبحت حماية “إسرائيل” من الصواريخ العراقية أحد معايير “السيادة”؟ وهل باتت الفصائل التي كانت تتصدر مشهد مقاومة الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي تُعامل اليوم كـ”مخربين” داخليين؟

السوداني والتموضع في مربع واشنطن

تصريحات السوداني التي قال فيها: “لن نسمح لأي فرد أو جهة باستخدام العراق كقاعدة لعمليات عسكرية”، بدت للبعض وكأنها رسالة طمأنة موجهة إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل” أكثر منها تعبيرًا عن موقف سيادي حقيقي. خاصة أن كلامه جاء متزامنًا مع مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي مناسبة غالبًا ما تُستخدم لبث رسائل سياسية للغرب، مقابل غضّ الطرف عن انتهاكات الاحتلال في غزة والضفة والجنوب اللبناني.

هذه المواقف تثير قلقًا داخل الأوساط الشعبية والمقاوِمة في العراق، خصوصًا أن الحكومة الحالية تُتهم بتقييد حركة الفصائل المسلحة وضرب البنية العسكرية للمقاومة، في وقت يتصاعد فيه العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني. فهل يحق لحكومة جاءت من رحم طبقة سياسية رفعت شعار مناهضة الاحتلال أن تُحول العراق إلى درع لحماية “إسرائيل”؟

حياد زائف أم انسلاخ عن التاريخ؟

يدافع السوداني عن هذه السياسة باعتبارها تطبيقًا لمبدأ “الحياد الإقليمي”، مؤكدًا أن العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين طهران وتل أبيب. لكن الواقع الإقليمي يشير إلى أن الحياد في قضايا كفلسطين لم يعد خيارًا، بل تواطؤًا ضمنيًا، خاصة حين يكون الحياد منصبًا فقط على منع إطلاق صواريخ ضد “إسرائيل”، دون موقف صريح من مجازر الاحتلال في غزة والضفة.

ففي الوقت الذي تسقط فيه قذائف الاحتلال على المستشفيات والمدارس الفلسطينية، لا يُسمع صوت الحكومة العراقية إلا لإدانة استهداف “السيادة العراقية” أو منع “الفصائل المتمردة” من الرد على العدوان، بينما تغيب الإدانة الصريحة للكيان الإسرائيلي.

الشارع العراقي.. صدمة وخيانة؟

على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت ردود الفعل على تصريحات السوداني قاسية ومباشرة. وسم #السوداني_خادم_تل_أبيب تصدّر منصات عراقية، وانتشرت صور تُظهره مرتديًا بدلة عسكرية إسرائيلية بشكل ساخر. الناشطون تساءلوا: “هل أصبح العراق منصة لحماية الاحتلال بدلًا من مقاومته؟”، و”هل سنعتقل من يرفع راية القدس ويُكرَّم من يصافح الصهاينة؟”.

هذه الأصوات الغاضبة تعكس شعورًا متناميًا بأن بعض النخب الحاكمة في بغداد تسير في اتجاه فصل العراق عن عمقه القومي والمبدئي، والتحوّل إلى أداة لتهدئة جبهة المقاومة، لا توحيدها.

واشنطن وتل أبيب.. الرابح الأكبر

اللافت أن هذا الإعلان عن إحباط الهجمات تزامن مع تقارير إسرائيلية وأميركية تشيد بتعاون أمني “غير مسبوق” مع بغداد، خصوصًا في ملف محاربة “المليشيات الموالية لإيران”. وهو ما يعزز من فرضية أن ما يجري هو جزء من خطة أكبر لتحجيم نفوذ المقاومة في المنطقة عبر أدوات محلية.

واشنطن، التي تتعامل مع العراق كقاعدة استراتيجية للحد من توسع إيران، تبدو راضية تمامًا عن أداء السوداني. و”إسرائيل” التي تعاني من صواريخ غزة ولبنان، تجد في العراق حاليًا “الخاصرة الآمنة” من جهة الشرق.

خاتمة: أي عراق نريد؟

تصريحات السوداني تُشكّل نقطة فاصلة في مسار السياسة العراقية تجاه الصراع العربي–الإسرائيلي. فهي إما تعكس واقعًا جديدًا يعزل العراق عن محور المقاومة ويضعه في محور الحياد الغربي، أو أنها محاولة لتقديم أوراق اعتماد جديدة لدوائر النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة.

لكن تبقى الحقيقة الثابتة أن العراق الذي خرج من حربين ضد “إسرائيل” في الستينيات والثمانينيات، لن يقبل بسهولة أن يتحوّل إلى حاجز يمنع الصواريخ عن تل أبيب، ولو تذرّعت الحكومة بـ”السيادة” أو “الاستقرار”. فالتاريخ يُكتب بمواقف الشجعان لا بقرارات الحذرين.

اقرأ أيضًا :كمين عبسان.. “شواظ القسام” يحرق ناقلة الجنود ويكشف هشاشة جيش الاحتلال