في واحدة من أكثر العمليات المصوّرة إثارة ودقة في التخطيط والتنفيذ، بثّت كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، مقاطع توثق كمينًا محكمًا استهدف ناقلات جنود تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي شرق خانيونس جنوب قطاع غزة.
المشاهد لم تكن مجرد لقطات حرب، بل كانت رواية ميدانية لكيفية إذلال جيش يزعم أنه “لا يُقهر”، على يد مقاومين خرجوا من باطن الأرض، ليزرعوا عبواتهم داخل قمرات القيادة ويحولوها إلى رماد.
شجاعة استثنائية..
مجاهد يصعد فوق ناقلة الجند المدرعة ويلقي العبوة داخلها ويفجرها.
عــاجــل | كتائب القسام تعرض مشاهد من الكمين المركب الذي استهدف آليات الاحتلال في منطقة عبسان الكبيرة شرق مدينة #خانيونس جنوب القطاع، وقد اعترف الصهاينة بمقتل 3 جنود وإصابة عدد آخر في الكمين. pic.twitter.com/wNWoD6fkFd
— رضوان الأخرس (@rdooan) July 28, 2025
تخطيط محكم وتنفيذ جريء
بدأت المشاهد بعرض استطلاع دقيق من قبل مقاتلي القسام، الذين راقبوا تحركات الاحتلال ورصدوا تمركز ناقلات جنود ومدرعات بالقرب من فتحة نفق في بلدة عبسان الكبيرة، وهي منطقة سبق أن شهدت عملية مشابهة قبل أكثر من عام، قتل فيها قائد سرية إسرائيلي.
ويظهر التسجيل مقاتلين اثنين يخرجان بهدوء من فتحة النفق، حاملين عبوتين ناسفتين من طراز “شواظ”، وهي عبوة شديدة الانفجار طوّرها القسام محليًا لاختراق المدرعات والتحصينات. اقترب أحد المقاتلين من ناقلة الجنود “النمر”، وصعد عليها بهدوء وثقة، ثم قام بفتح قمرة القيادة وألقى العبوة داخلها قبل أن ينسحب سريعًا.
ثوانٍ فقط، وتحولت الناقلة إلى كتلة نيران مشتعلة، في مشهد وثّقته كاميرا المقاومة بدقة. المشهد لم ينتهِ هنا، بل رصد لاحقًا محاولة يائسة من جيش الاحتلال لإخماد النيران عبر استخدام حفار عسكري قام بدفن الناقلة تحت التراب.
هذا العمل الجريء، الذي نُفذ في وضح النهار وأمام مرأى جنود الاحتلال، يعكس مدى الجرأة التي يتحلى بها مقاتلو المقاومة الفلسطينية، وقدرتهم على تحويل أكثر المناطق تحصينًا إلى مصائد موت.
خسائر صادمة ومحاولات تعتيم إسرائيلية
اعترف جيش الاحتلال بمقتل ضابط وجندي في لواء غولاني خلال العملية، وهما النقيب أمير سعد (22 عامًا)، ضابط التكنولوجيا والصيانة، والرقيب إينون نوريئيل فانا، وكلاهما خدم في لواء النخبة. اللافت أن الضابط “سعد” كان قد حصل على ترقيته قبل أسبوع فقط، وهو قريب لضابط كبير آخر قُتل في عملية سابقة لحركة الجهاد الإسلامي على حدود لبنان.
رغم الاعتراف، فإن تقارير من حسابات إسرائيلية غير خاضعة للرقابة العسكرية أكدت أن عدد القتلى أكبر مما أُعلن، مما يرجح أن عدد المصابين أو القتلى يتجاوز الثلاثة، وهو ما يدفع الاحتلال دائمًا لمحاولة احتواء تداعيات الضربات الثقيلة إعلاميًا.
وفي خطوة غير معتادة، سارعت كتائب القسام إلى إصدار بلاغ عسكري عقب العملية، مؤكدة أنها استهدفت ناقلتين بعبوتين داخل قمرات القيادة، ثم استهدفت ناقلة ثالثة بصاروخ “الياسين 105″، وهو سلاح فلسطيني محلي مضاد للدروع، مما يعكس أن العملية كانت جزءًا من كمين مركب ومتعدد الأهداف.
براعة المقاومة وهشاشة الاحتلال
المشهد الذي قدّمه القسام لا يمكن قراءته فقط كعملية ميدانية ناجحة، بل هو درس استخباراتي وتكتيكي في العمل المقاوم. فبينما تعتمد إسرائيل على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات بدون طيار، ينجح مقاتلو المقاومة في استدراج جنودها إلى قلب كمين تحت الأرض، وتوجيه ضربة قاتلة في قلب مدرعاتها.
الرمزية الأبرز في المشهد كانت في لحظة إلقاء المقاتل لعبوته داخل الناقلة. هذه اللحظة تجسد فلسفة “الاشتباك القريب” الذي تبنته المقاومة في حربها ضد الاحتلال، إذ لم تكتفِ بتوجيه الضربات عن بعد، بل ذهبت إلى عمق تمركزات العدو، وأحدثت ثغرات في صفوفه المدججة بالسلاح والدروع.
ومن جانب آخر، فإن استخدام الحفار لدفن ناقلة محترقة يكشف أزمة أخلاقية وعسكرية لدى جيش الاحتلال، فبدل محاولة إنقاذ الجنود أو إخلائهم، يلجأ إلى دفنهم أحياء أو جثثًا محترقة لتقليل آثار المشهد إعلاميًا، وهو ما يمثل ذروة الإرباك والإهانة لعقيدته القتالية.
خاتمة: ضربة تهز العقيدة العسكرية الصهيونية
تأتي عملية عبسان في سياق تصاعد العمليات النوعية للمقاومة في قطاع غزة، وسط ظروف قاسية من الحصار، ومجازر يومية ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين. لكنّ هذه العمليات تؤكد أن “الرد” على الإبادة ليس فقط بالصمود، بل بالفعل العسكري المقاوم المدروس.
إن هذا الكمين لا يكشف فقط هشاشة الاحتلال، بل يعري خطابه الإعلامي والعسكري الذي يسوّق لانتصارات وهمية. وبينما تتغنى إسرائيل بقدرتها على تدمير الأنفاق وقتل القادة، تخرج المقاومة لتقول: “نحن هنا، تحت الأرض وفوقها.. نرصد ونتحين اللحظة ونضرب”.
ولعل أكثر ما يؤرق قادة الاحتلال بعد هذه العملية، ليس فقط الخسائر البشرية، بل الرسالة التي تصل إلى مجتمعهم: أن جنودهم ليسوا آمنين حتى داخل مدرعاتهم، وأن كل تقدم بري في غزة يعني حفلة موت تنتظرهم في الظلام.
اقرأ أيضًا : جنود يرفضون القتال في غزة: تصدّع داخل الجيش وهشاشة متفاقمة أمام صمود المقاومة