شهدت ولاية الجزيرة وسط السودان كارثة إنسانية جديدة بعدما ضربت أمطار غزيرة مصحوبة بفيضانات عنيفة قرية “ميجر 6” بمحافظة أم القرى، ما أسفر عن تدمير واسع للمنازل ونزوح الآلاف من السكان. وأعلنت منظمة الهجرة الدولية، الأحد، أن نحو 850 أسرة (أي ما يقارب 4250 شخصًا) اضطروا للنزوح بعدما تدمّر 550 منزلًا بالكامل، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في ظل حرب مدمّرة تضرب البلاد منذ أكثر من عام.

 

كارثة طبيعية تضرب منطقة منهكة بالحرب

وفق بيان المنظمة، لجأ النازحون إلى مناطق مفتوحة في محيط قريتهم المنكوبة، دون مأوى أو خدمات إنسانية كافية، وسط مخاوف من تفشّي الأمراض مع استمرار هطول الأمطار. وتُعد ولاية الجزيرة من المناطق الزراعية المهمة في السودان، لكنها تعرضت خلال الأشهر الماضية لهجمات متكررة من قوات الدعم السريع التي اجتاحت أجزاء واسعة منها ودمرت منشآت خدمية وصحية، ما جعلها أكثر هشاشة أمام الكوارث الطبيعية.

وتتكرر مثل هذه الكوارث في السودان خلال موسم الخريف الذي يمتد عادة من يونيو/حزيران إلى أكتوبر/تشرين الأول، إذ تغمر مياه الفيضانات مساحات واسعة وتدمر منازل البنية الطينية الهشة. لكن هذه الكارثة الجديدة تبدو أكثر قسوة لأنها تضرب منطقة فقدت مؤسساتها المحلية وخدماتها الأساسية بفعل الحرب الدائرة، ما يجعل أي استجابة إنسانية عاجلة شبه مستحيلة.

حرب طاحنة تقوّض الاستجابة الإنسانية

منذ أبريل/نيسان 2023، يعيش السودان على وقع حرب دامية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، خلّفت حتى الآن وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية أكثر من 20 ألف قتيل ونحو 15 مليون نازح ولاجئ، بينما قدّرت دراسة لعدد من الجامعات الأمريكية أن عدد القتلى الفعلي قد يصل إلى 130 ألفًا. وخلال هذا الصراع، دمّرت قوات الدعم السريع المدعومة بالمال والسلاح من أبوظبي البنية التحتية المدنية في عدة مدن سودانية، من طرق وجسور ومستشفيات ومراكز خدمية، ما فاقم من عجز مؤسسات الدولة عن التعامل مع الكوارث الطبيعية.

ويؤكد خبراء إنسانيون أن غياب الدولة وانهيار مؤسساتها في المناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع جعل السكان هناك عرضة لمآسٍ مضاعفة، فحتى الأمطار الموسمية التي كانت تُعد ظاهرة طبيعية مألوفة باتت تتحول إلى كوارث كبرى بسبب غياب أنظمة الصرف وتهالك المباني وغياب فرق الإنقاذ. ومع نزوح آلاف السكان من منازلهم المدمّرة في أم القرى، تبدو الاستجابة الإنسانية عاجزة تمامًا، إذ تعاني منظمات الإغاثة من صعوبات كبيرة في الوصول إلى مناطق النزاع بسبب تدهور الأمن وانعدام الطرق الصالحة للنقل.

اتهامات لدور إماراتي في تفكيك الدولة السودانية

يربط كثير من المراقبين بين ما يحدث في السودان من انهيار شامل للبنية التحتية وبين الدور الذي لعبته ميليشيات الدعم السريع المدعومة من الإمارات. فخلال الأشهر الماضية، وثّقت تقارير إعلامية وحقوقية قصفًا متعمدًا نفذته هذه الميليشيات ضد منشآت الكهرباء والمياه والمستشفيات، إلى جانب نهب واسع للمخازن الحكومية والمصانع الزراعية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الخدمات الأساسية. وقد ساهم ذلك في تعميق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وجعل السكان أكثر هشاشة أمام أي كارثة طبيعية، كما هو الحال الآن في ولاية الجزيرة.

ويرى خبراء أن سياسة الإمارات القائمة على دعم مليشيا غير نظامية للسيطرة على السلطة في الخرطوم أدت فعليًا إلى تفكيك مؤسسات الدولة السودانية، وهو ما جعل البلاد غير قادرة على التعامل مع الأزمات المناخية التي تتزايد حدتها بفعل التغيرات المناخية العالمية. فبينما تضرب الفيضانات مدنًا مثل ود مدني وأم القرى، تغيب الدولة تمامًا عن المشهد، ولا توجد أي خطط طوارئ أو إمكانيات إنقاذ، الأمر الذي يترك المواطنين في مواجهة الكارثة بمفردهم.

مخاوف من تفشي الأوبئة وعودة النزاعات على الموارد

ومع نزوح آلاف السكان إلى مناطق مفتوحة بلا مأوى أو صرف صحي، تلوح في الأفق مخاطر تفشي الأوبئة، خصوصًا الكوليرا والملاريا وحمى الضنك، التي تنتشر عادة عقب الفيضانات في السودان. كما يخشى مراقبون من أن يؤدي النزوح الجماعي الجديد إلى زيادة التوترات بين المجتمعات المحلية، إذ تتنافس الأسر النازحة والسكان الأصليون على الموارد المحدودة أساسًا من مياه وغذاء ومأوى، ما قد يشعل نزاعات جديدة في بلد أنهكته الحرب الأهلية والصراعات القبلية.

وتحذر منظمات الإغاثة من أن ضعف الاستجابة الدولية للأزمة الإنسانية في السودان سيجعل الكارثة الحالية مجرد بداية لسلسلة من الكوارث المماثلة مع استمرار موسم الأمطار خلال الأسابيع المقبلة، في ظل توقعات بهطول مزيد من الأمطار الغزيرة على وسط البلاد وشرقها.

مأساة السودان بين مطر الحرب ومطر السماء

تمثل مأساة أم القرى نموذجًا صارخًا لكيفية تضافر الكوارث الطبيعية مع النزاعات المسلحة في تدمير حياة الشعوب. فبينما يُفترض أن تكون الأمطار مصدرًا للخير في بلد زراعي مثل السودان، تحولت بفعل الحرب وانهيار الدولة إلى كارثة مدمّرة شردت الآلاف في ليلة واحدة. ويجمع خبراء محليون ودوليون على أن أي معالجة جذرية للأزمة الإنسانية في السودان لا يمكن أن تتم دون وقف الحرب، ووقف دعم الإمارات لقوات الدعم السريع، والشروع في عملية سياسية تعيد بناء مؤسسات الدولة وقدراتها الخدمية، لتكون قادرة على حماية مواطنيها من كوارث الطبيعة بدل تركهم في العراء.

اقرأ أيضًا : القصف والتجويع يرفعان أعداد الشهداء في غزة.. ونقص حاد بوحدات الدم