في تقرير صادم جديد، حذرت منظمة “أطباء بلا حدود” من أن العنف والجوع يدمّران حياة المدنيين في جنوب دارفور، وسط انهيار شبه تام للوجود الإنساني وتصاعد في الانتهاكات ضد المدنيين، على خلفية الصراع المستمر منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. 

وبينما تتصدر مشاهد المجاعة والعنف الجنسي اليومي واجهة المشهد الإنساني، لا تزال أيادٍ خارجية، في مقدمتها دولة الإمارات، تلعب دورًا خطيرًا في تمويل وتسليح أحد أطراف النزاع، مما يفاقم المعاناة على الأرض.

انهيار أمني وخنق إنساني: جنوب دارفور تحت النار

رغم توقف المعارك المباشرة في بعض مناطق جنوب دارفور، إلا أن الحياة لم تعد إلى طبيعتها.

فبحسب التقرير الذي حمل عنوان “أصوات من جنوب دارفور”، لا تزال حالة انعدام الأمن منتشرة على نطاق واسع، حيث يتعرض السكان لهجمات واعتقالات تعسفية، وعمليات نهب وسرقة، وهجمات بالطائرات المسيّرة والقصف الجوي.

تقول المنظمة إنها وثّقت 659 حالة عنف جنسي خلال 15 شهراً فقط، تعرض 56% من أصحابها للاعتداء من عناصر غير مدنية، ما يعكس فوضى أمنية شاملة وانهياراً في سيادة القانون.

وتعزو المنظمة جزءاً من تفاقم الكارثة إلى انسحاب المنظمات الإنسانية من الميدان، بعدما تحولت المستشفيات والأسواق وحتى المنازل إلى أهداف عسكرية، لا سيما أثناء المعارك العنيفة التي شهدتها مدن جنوب دارفور عام 2023.

الإمارات على خط النار: دعم عسكري يقوّض الاستقرار

في خلفية هذا المشهد الدموي، يبرز الدور المتصاعد للإمارات كأحد العوامل المؤججة للحرب، حيث توجه اتهامات موثقة إلى أبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع بالأسلحة والتمويل والتدريب عبر مسارات إمداد تمتد من ليبيا إلى تشاد وحتى ميناء بورتسودان.

وتشير تقارير أممية وإعلامية إلى أن الإمارات واصلت تزويد قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” بطائرات مسيّرة ومدرعات عبر شركات شحن خاصة، رغم النداءات الدولية المتكررة لوقف تدفق السلاح إلى السودان. 

وقد انعكس هذا الدعم بوضوح في تحركات قوات الدعم السريع التي شنت هجمات مدمرة على مناطق سيطرة الجيش، بينها مطار نيالا ومخيمات النازحين، آخرها قصف مخيم أبو شوك قرب الفاشر، ما أسفر عن مقتل 14 مدنياً بينهم نساء وأطفال.

وبينما ينشغل العالم بالصراعات الإقليمية الأخرى، يغيب عن الأضواء حجم التدخل الخارجي الذي يزيد من تعقيد المشهد السوداني، حيث تحوّلت الإمارات من فاعل إغاثي معلن إلى طرف متورط عسكرياً في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم.

صوت من تحت الأنقاض: معاناة وصمود

لم يكتف تقرير “أطباء بلا حدود” بسرد الكوارث، بل نقل أيضاً مشاهد إنسانية مؤلمة لأشخاص يصارعون للبقاء على قيد الحياة في ظل الجوع والمرض، ووسط غياب الدولة والمنظمات الأممية.

وعلّق أوزان أغباس، مدير الطوارئ لدى المنظمة في السودان، قائلاً: “أصوات الناس وقصصهم تعكس كمّ المعاناة والانتهاكات والقسوة التي يشعرون بها في مجتمعات جنوب دارفور، ولكنها تظهر أيضاً صمودهم وتعاطفهم”، مؤكداً الحاجة العاجلة لإعادة تفعيل المساعدات وتثبيت الحماية القانونية للمدنيين.

ورغم التصعيد العسكري، لا تزال بعض المجتمعات تحاول العودة إلى الزراعة أو العمل في الأسواق، غير أن تكرار الهجمات والتهديد بالاغتصاب أو القتل جعل التنقل مستحيلاً في مناطق عدة، مما فاقم أزمة الغذاء. وتفيد تقديرات الأمم المتحدة بأن المجاعة باتت تطرق أبواب أكثر من 8 ملايين سوداني، بينهم أطفال لا يحصلون على وجبة واحدة يومياً.

خاتمة: حرب منسية بثمن خارجي فادح

تستمر مأساة جنوب دارفور كوجه من وجوه الجحيم السوداني، في ظل تجاهل دولي مخجل وتواطؤ إقليمي خطير، تقوده الإمارات عبر دعمها لقوات الدعم السريع. وبينما يتغنى الإعلام الرسمي الإماراتي بدور “إنساني” مزعوم، تواصل طائراتها المسيّرة ومدرعاتها سحق أحلام الأطفال تحت ركام المنازل في نيالا والفاشر.

ويبقى السؤال: كم من المدنيين يجب أن يموتوا قبل أن يتحرك المجتمع الدولي لوقف شحنات السلاح، وفرض محاسبة حقيقية على ممولي الموت في السودان؟

اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي للميليشيات.. آلاف اللاجئين السودانيين في تشاد يواجهون الجوع والمعاناة