في ظل الصمت الدولي المطبق وتواطؤ بعض القوى الإقليمية، تستمر معاناة المدنيين السودانيين الهاربين من جحيم الحرب في دارفور، لا سيما في مدينة الفاشر المحاصرة، حيث يشهد الشرق التشادي تدفقاً مستمراً لعشرات الآلاف من اللاجئين الذين يفرّون من الموت إلى ظروف إنسانية لا تقل قسوة.
منظمة “أطباء بلا حدود” حذرت من كارثة إنسانية تتكشف في مخيم “تين للعبور” على الحدود بين السودان وتشاد، حيث يعاني اللاجئون من انعدام المياه والطعام والمأوى، وسط انتشار مرعب لسوء التغذية والأمراض.
ولفتت المنظمة إلى أن معظم هؤلاء هم من النساء والأطفال الذين تحملوا مجاعة طويلة الأمد نتيجة الحصار المفروض من قوات “الدعم السريع” المدعومة إماراتيًا.

حصار مدعوم من الإمارات يدفع المدنيين للجوع والنزوح
النكبة التي يعيشها المدنيون في إقليم دارفور، خاصة مدينة الفاشر ومخيم زمزم الشهير، لا يمكن فصلها عن الدور الذي تلعبه الإمارات في تغذية النزاع السوداني من خلال دعمها العسكري والسياسي لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
فبحسب تقارير دولية وأممية، فإن الإمارات وفّرت الأسلحة والدعم اللوجستي والغطاء السياسي لقوات الدعم السريع، التي استخدمت الحصار والتجويع كسلاح لإخضاع مناطق شمال دارفور.
لقد فُرض حصار خانق على مخيم زمزم استمر لعدة أشهر، أدى إلى مجاعة مؤكدة بحسب تقرير “لجنة مراجعة المجاعة” الصادر حديثًا.
والنتيجة: موجة نزوح جماعية لعشرات الآلاف من السكان باتجاه الحدود التشادية، حيث تواصل المأساة فصولها في العراء وتحت الشمس الحارقة. هذا النزوح الجماعي ليس حدثاً طبيعياً أو عرضياً، بل هو النتيجة المباشرة لاستراتيجية عسكرية ممنهجة تنتهجها ميليشيات الدعم السريع، بتواطؤ إقليمي، وعلى رأسه نظام محمد بن زايد.
مخيم تين للعبور.. محطة قاسية للاجئين المنهكين
وفقًا لتقارير منظمة “أطباء بلا حدود”، فإن نحو 40 ألف لاجئ سوداني وصلوا منذ نهاية أبريل إلى مخيم تين الحدودي، قادمين من الفاشر ومناطق شمال دارفور. ويُعتبر المخيم محطة مؤقتة قبل التوزيع نحو مخيمات اللجوء في تشاد، لكن الواقع أن ظروفه غير مهيأة لاستقبال هذا العدد الهائل.
إذ ينام اللاجئون في العراء وسط درجات حرارة تتجاوز الأربعين مئوية، بينما المياه المتوفرة لا تكفي نصف الاحتياجات اليومية الأساسية.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن المنظمة إلى وجود أكثر من 18 ألف شخص داخل مخيم تين حاليًا، يعانون من انعدام الخدمات الطبية، وشح المياه، وانعدام الأمن الغذائي.
الأطفال تحت سن الخامسة يعانون من نسب مرتفعة لسوء التغذية: 29% يعانون من سوء تغذية، من بينهم 9% في حالة حرجة. ويقوم المركز الصحي التابع للمنظمة بأكثر من 900 استشارة أسبوعياً، في ظل نقص حاد في الأدوية والغذاء العلاجي.
أزمة إنسانية متصاعدة ومسؤولية دولية غائبة
ما يحدث في شرق تشاد هو امتداد مباشر لمأساة دارفور، لكنه يعري أيضًا عجز المجتمع الدولي وتقصيره الأخلاقي في وقف الحرب ومنع تمويلها.
فبينما تعاني العائلات السودانية من الجوع والتشريد، تواصل بعض الدول، وعلى رأسها الإمارات، تغذية الميليشيات بالمال والسلاح لتحقيق نفوذ جيوسياسي على حساب الدم السوداني.
هذه الاستراتيجية لا تقتصر فقط على دعم الحرب، بل تشمل أيضًا مشاريع دعائية لغسل السمعة في المحافل الدولية، مقابل تجاهل تام لآلاف الضحايا الذين يتساقطون يوميًا في الفاشر ونيالا والجنينة.
وكأن المجتمع الدولي اختار أن يُبقي أعينه مغلقة وآذانه صمّاء تجاه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القارة الإفريقية.
خاتمة: المأساة مستمرة والإنقاذ مؤجل
مخيم “تين” ليس مجرد نقطة عبور للاجئين السودانيين، بل هو مرآة تعكس فصول المأساة الممتدة من دارفور إلى تشاد.
ومن خلال هذه الصورة، تتجلى حقيقة الدور التخريبي الذي تلعبه بعض الأنظمة الإقليمية في إذكاء نار الحرب وإطالة أمدها.
إن ما يشهده اللاجئون في هذا المخيم من مجاعة وسوء تغذية وانهيار نفسي ليس سوى نتيجة من نتائج حرب بالوكالة دفعت فيها الإمارات ميليشيا الدعم السريع إلى تنفيذ سياسات إبادة وتجويع ضد السكان.
وما لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية لوقف الدعم العسكري والمالي الخارجي للميليشيات، وفرض ممرات آمنة لإنقاذ المدنيين، فإن مشاهد العراء والجوع والموت في مخيمات تشاد ستكون مجرد بداية لكارثة أوسع، تهدد ليس فقط السودان، بل استقرار المنطقة بأكملها.
اقرأ أيضًا : حل الحكومة السودانية وتشكيل جديدة.. إدريس يعلن “حرب الدولة” على المليشيات المدعومة إماراتيًا