نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا مطولًا وصفت فيه عملية انتشال الجثث من تحت أنقاض قطاع غزة بأنها “أصعب مهمة في تاريخ الحروب الحديثة”، مشيرة إلى أن حجم الدمار الذي خلّفه القصف الإسرائيلي جعل من كل شارع في القطاع مقبرة صامتة، ومن كل ركام شاهداً على جريمة حرب مستمرة.
وقالت الصحيفة إن الفلسطينيين، بعد مرور أكثر من عام على اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، بدأوا في الحفر وسط ما يقارب 61 مليون طن من الركام، يُعتقد أن ما لا يقل عن 10 آلاف إنسان لا يزالون مدفونين تحته، بينما ترجّح تقديرات أخرى أن العدد قد يصل إلى 14 ألفاً. ورغم مرور شهور على وقف إطلاق النار الهش، ما تزال عمليات البحث بطيئة ومؤلمة، إذ يعمل المنقذون بأدوات بدائية في مواجهة ما تصفه الأمم المتحدة بأنه أكبر كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين.

أدوات بدائية في وجه ركام الموت
بحسب الغارديان، فإن فرق الإنقاذ الفلسطينية تعتمد على مجارف ومعاول وأياديها العارية، في غياب المعدات الثقيلة التي تمنع إسرائيل دخولها إلى القطاع. ويقول مسؤولو الدفاع المدني إن طلباتهم المتكررة لإدخال الجرافات والمعدات الحديثة لم تلقَ أي استجابة من سلطات الاحتلال، ما جعل العمل أشبه بمهمة انتحارية محفوفة بالمخاطر.
ورغم العزيمة والإصرار، فإن ما تم انتشاله لا يكاد يُذكر أمام حجم الكارثة؛ فقد أُخرجت 472 جثة فقط خلال أول 16 يومًا من الهدنة، بينما تشير الأرقام إلى أن العملية الكاملة قد تستغرق تسعة أشهر على الأقل في حال توفرت المعدات اللازمة. وحتى ذلك الحين، تظل آلاف الجثث حبيسة تحت الركام، بلا أسماء ولا قبور.
قصص المفقودين.. ركام من الألم
سلّطت الصحيفة الضوء على قصص العائلات التي تعيش مأساة يومية في البحث عن أحبائها. ففي بيت لاهيا، فقدت الشابة آية أبو نصر أكثر من 100 فرد من عائلتها في غارة واحدة، وما زال نحو 50 منهم تحت الأنقاض منذ أكثر من عام. تقول آية: “بقاياهم متناثرة بين الطابقين الأرضي والأول، ولا يمكن إخراجهم دون معدات ثقيلة”.
وفي غزة المدينة، لم تتمكن هديل شحيبر من دفن جميع أفراد عائلتها، إذ بقي بعضهم مدفونًا تحت أنقاض حيّ الصبرة حتى اليوم. وبينما تتكدس المستشفيات ومقرات الدفاع المدني بالمئات من الأسر الباحثة عن ذويها، تتحول كل عملية انتشال إلى لحظة أمل مؤقتة، يتبعها وجع طويل، إذ إن كثيرًا من الجثث يصعب التعرف عليها بسبب التحلل أو التشوه الناتج عن القصف.
جرح نفسي جماعي و”فقد غامض”
وتوضح الغارديان أن مأساة غزة لا تتوقف عند حجم الدمار، بل تمتد إلى أعماق النفس البشرية. فغياب القدرة على التعرف على الجثامين بسبب نقص معدات فحص الحمض النووي – التي تمنع إسرائيل دخولها – جعل مهمة الأطباء الشرعيين شبه مستحيلة. ويصف علماء النفس هذا النوع من الفقدان بـ”الفقد الغامض”، أي أن المفقود لا يُعلم إن كان حيًّا أم ميتًا، ما يؤدي إلى صدمة نفسية جماعية تصيب المجتمع بأسره.
ففي غزة، لم يعد الحزن شعورًا فرديًا، بل ظاهرة عامة يعيشها الجميع؛ أطفالٌ فقدوا آباءهم، نساءٌ ينتظرن أخبار أزواجهن، ومسعفون يعملون بأيديهم وسط الأنقاض التي تخنق أرواحهم قبل أجسادهم. وبحسب خبراء علم النفس، فإن غياب إمكانية الدفن أو التعرف على الجثث يحرم الناس من آخر طقوس الوداع، ويزرع فيهم شعورًا بالعجز والغضب المستمر.
كارثة بيئية وإنسانية متشابكة
ويحذر التقرير من أن قطاع غزة يواجه أيضًا تحديًا بيئيًا كارثيًا؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إزالة الركام بالكامل قد تستغرق سبع سنوات على الأقل، في ظل تدمير أكثر من 77% من شبكة الطرق، ووجود آلاف الذخائر غير المنفجرة التي تسببت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 في مقتل 52 شخصًا وإصابة العشرات.
ويقول خبراء نزع الألغام إن محاولات السكان للعودة إلى منازلهم ستزيد من المخاطر، إذ قد تؤدي أي حركة عشوائية للركام إلى انفجار قنابل أو انهيار مبانٍ مهددة بالسقوط. وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية المتقطعة، تبقى جهود الانتشال محدودة، في وقت تتكدس فيه الجثث ويعلو الركام كجدران رمادية تفصل بين الأحياء والحياة.
جريمة بلا نهاية
ترى الغارديان أن هذه المأساة ليست نتيجة حربٍ عابرة، بل حصيلة منهج إسرائيلي في التدمير المتعمد للمنازل والبنى التحتية، ثم في منع إعادة الإعمار أو حتى السماح بدفن الضحايا. وتشير الصحيفة إلى أن الاحتلال لا يكتفي بقتل الفلسطينيين أثناء القصف، بل يتركهم مدفونين تحت الركام دون أن يتيح لذويهم فرصة الوداع.
وتقول الصحيفة إن هذا السلوك يندرج ضمن نمط متكرر من العقاب الجماعي، يُمارس ضد أكثر من مليوني إنسان في القطاع. فحتى بعد وقف النار، تُواصل إسرائيل منع دخول المعدات والوقود والكوادر المتخصصة، لتبقى غزة رهينة في دائرة دمار لا تنتهي.
مدينة بلا ملامح ولا روح
يختتم التقرير بوصف مؤلم للقطاع الذي تحول إلى مدينة بلا ملامح: “فسيفساء من الجدران الممزقة والقشور الخرسانية والطرقات التي لا تقود إلى مكان”. ويرى معدّو التقرير أن السؤال الأهم في غزة اليوم لم يعد “من سيسقط بعد؟” بل “ما الذي يمكن أن ينهض من جديد؟”
فالحرب لم تترك وراءها فقط آلاف القتلى والمفقودين، بل جيلًا كاملاً يعيش بين الركام، يتوارث الألم جيلاً بعد جيل، بينما العالم يكتفي بالمشاهدة. وتبقى مهمة انتشال الجثث في غزة، كما وصفتها الغارديان، أكثر من عملية إنقاذ.. إنها معركة إنسانية ضد آثار الاحتلال، وضد النسيان.
اقرأ أيضًا : جرائم بن زايد في دارفور.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر بعد موجة نزوح مروعة من الفاشر