في تقرير مطوّل نشرته صحيفة الغارديان بقلم الصحفي آدم غابات، برزت صورة مثيرة للجدل عن الصراع الخفي في نيويورك بين المرشح الأوفر حظًا لمنصب العمدة، زهران ممداني، وبين طبقة المليارديرات وملاك العقارات الأثرياء، الذين يرون في صعوده تهديدًا مباشرًا لنفوذهم ومصالحهم الاقتصادية. التقرير يوضح كيف تحوّل هذا المرشح الشاب إلى رمز للتغيير، وكيف حشدت النخب الاقتصادية كل ما تملك من أموال ونفوذ سياسي لإيقافه، في حملة ممنهجة تفضح الوجه الآخر للديمقراطية الأميركية.

صعود مفاجئ يربك النخبة

منذ عام واحد فقط، لم يكن اسم ممداني معروفًا خارج دوائر سياسية محدودة، لكن الشاب البالغ من العمر 33 عامًا، والعضو في تيار “الاشتراكية الديمقراطية”، استطاع أن يفرض نفسه بقوة. طرح وعودًا واضحة بتجميد أسعار الإيجارات وفرض ضرائب إضافية طفيفة على أصحاب الدخول التي تتجاوز مليون دولار سنويًا. هذه الرسائل البسيطة والملموسة وجدت صدى كبيرًا لدى سكان نيويورك، خاصة المستأجرين الذين يرزحون تحت ضغوط الإيجارات المرتفعة.

غير أن هذه الوعود نفسها، مثلت كابوسًا للنخب الاقتصادية. فقد أثار ممداني رعب المانحين التقليديين للحزب الديمقراطي وكبار مطوري العقارات، الذين اعتادوا أن يكون لهم الكلمة العليا في السياسة المحلية. فبمجرد أن تخطى بسهولة شخصية بحجم أندرو كومو، الحاكم السابق لنيويورك، أيقنت هذه النخب أن المواجهة معه ستكون مختلفة، وأن المال وحده قد لا يكفي هذه المرة.

تكتلات سرية واجتماعات مؤامرة

بحسب الغارديان، اجتمع بعض من أثرى رجال الأعمال وملاك العقارات في نيويورك، الشهر الماضي، مع كومو للتخطيط لطريق يقودهم إلى “إسقاط ممداني”. الاجتماع الذي وصفته الصحف الأميركية بالطارئ ضم مليارديرات بارزين وأكبر مطوري العقارات، الذين عبّروا عن مخاوفهم من “تفكك نموذج الربح العقاري” إذا ما فاز ممداني.

لم يمض وقت طويل حتى دخل على الخط الملياردير بيل أكمان، مدير صندوق التحوط وصاحب النفوذ السياسي الكبير، الذي يُقدَّر صافي ثروته بعشرة مليارات دولار. أكمان، المعروف بتقلباته السياسية ودعمه أحيانًا للديمقراطيين وأحيانًا لترامب، دعا العمدة الحالي إريك آدامز إلى الانسحاب لصالح كومو، في محاولة لتوحيد جبهة مضادة لممداني. بل إن أكمان صرّح علنًا بوجود “مئات الملايين من الدولارات الجاهزة” لدعم أي منافس لممداني، وكشف عن مشاركته في مجموعات واتساب وسلاسل رسائل نصية تُدار خصيصًا لتنسيق الحملة المضادة.

المال يتدفق.. لكن النتائج لا تتغير

منذ الانتخابات التمهيدية، أغدق المانحون أموالًا ضخمة في محاولة يائسة لوقف موجة ممداني. فقد أنفق مانحو العقارات أكثر من 6 ملايين دولار لدعم كومو، بينهم رئيس شركة إنشاءات ضخمة مقرها بوسطن. أما مايكل بلومبرغ، العمدة الملياردير السابق، فأنفق وحده أكثر من 8.3 ملايين دولار.

التدفقات المالية لم تتوقف؛ فمؤخرًا تبرع الجمهوري رون لاودر بـ750 ألف دولار للجنة تدعم كومو، فيما ضخ جون هيس، رئيس مؤسسة “هيس”، نصف مليون دولار أخرى. هذه الأرقام تكشف حجم الذعر الذي يعيشه الأغنياء في مواجهة ممداني. ومع ذلك، تؤكد استطلاعات الرأي أن هذه الجهود لا تُثمر؛ إذ لا يزال المرشح الشاب متقدمًا بفارق مريح، حيث يحصد أكثر من 45% من الأصوات مقابل 24% فقط لكومو.

حملات التشويه وفشل السردية

جزء من الحملة الممنهجة ضد ممداني لم يقتصر على المال فقط، بل شمل أيضًا حملات إعلامية تستند إلى تخويف الناخبين من “هروب الأغنياء” إذا تم فرض ضريبة الـ2% المقترحة. روج أكمان وآخرون لرواية مفادها أن سياسات ممداني ستدمر جاذبية نيويورك كمركز مالي عالمي، وأن الأغنياء سيغادرون المدينة بأموالهم، ما سيؤدي إلى تراجع الاقتصاد المحلي.

لكن هذه الرسائل لم تحقق الهدف المرجو، بل بدت منفصلة عن واقع آلاف المستأجرين الذين يواجهون خطر الطرد من منازلهم بسبب تضخم الإيجارات. يقول سوماثي كومار، مدير مجموعة “مستأجري نيويورك”، إن الأموال والسياسة لم تغيّر شيئًا من موقف الناخبين، مضيفًا: “لقد بذلوا كل ما في وسعهم، لكن المستأجرين يريدون ببساطة البقاء في مدينتهم بكرامة”.

عندما يفقد المال سطوته

اللافت في تقرير الغارديان أن حملة المليارديرات ضد ممداني قد تتحول إلى سابقة سياسية لافتة في تاريخ نيويورك: فهي تُظهر أن النفوذ المالي، رغم ضخامته، قد لا يكون قادرًا على كبح تيار شعبي يتجاوز الخطابات التقليدية. فممداني لم يبنِ شعبيته على شعارات فضفاضة، بل على وعود عملية كالتجميد الفوري للإيجارات وتعزيز العدالة الضريبية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات المقرر في 4 نوفمبر، يبدو أن المعركة لم تعد فقط بين مرشح وآخر، بل بين نموذجين: نموذج قديم قائم على سيطرة رأس المال والعقارات على السياسة، ونموذج جديد يُعطي الأولوية لمطالب المواطنين العاديين.

خاتمة: المال لا يشتري كل شيء

يكشف هذا السجال السياسي أن الديمقراطية الأميركية في المدن الكبرى لا تزال ساحة صراع بين رأس المال والقوى الشعبية. فبينما يسعى المليارديرات وملاك العقارات لحماية امتيازاتهم عبر ضخ ملايين الدولارات وحملات التشويه، يثبت ممداني أن الدعم الشعبي قادر على قلب المعادلة.

وربما تكون هذه الانتخابات، كما تصفها الغارديان، اختبارًا حقيقيًا لمقولة طالما رددها الأميركيون: “المال يشتري كل شيء”. لكن إذا استمرت المؤشرات على هذا النحو، فقد يكون ممداني على وشك إثبات العكس، معلنًا أن إرادة الناخبين البسطاء لا تزال قادرة على هزيمة إمبراطوريات المال.

اقرأ أيضًا : نتاج صبر المقاومة والشعب الفلسطيني الصامد.. لندن وبلديات فرنسية ترفع علم فلسطين بعد الاعتراف الدولي