في مشهد وصفه الفلسطينيون والعرب بـ”اللحظة التاريخية”، ارتفع علم فلسطين، الاثنين، فوق مبنى السفارة الفلسطينية في العاصمة البريطانية لندن، بحضور عدد من السفراء وممثلي الأحزاب السياسية البريطانية، احتفاءً بإعلان حكومة كير ستارمر اعتراف المملكة المتحدة رسمياً بدولة فلسطين. السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط أكد أنّ رفع العلم “لا يمثل نهاية النضال، لكنه خطوة جديدة نحو الحرية”، مشدداً على أنّ الاعتراف البريطاني بعد قرن من الإنكار هو انتصار سياسي ومعنوي للشعب الفلسطيني وصموده أمام آلة الاحتلال والإبادة.

هذا الاعتراف البريطاني لم يكن معزولاً، بل جاء متزامناً مع الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث أعلنت بريطانيا إلى جانب أستراليا والبرتغال اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، ليرتفع عدد الدول المعترفة إلى 153 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، في دلالة على تنامي العزلة السياسية لإسرائيل وفشلها في كبح المدّ الدولي المتزايد نحو الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولتهم المستقلة.

فرنسا بين التضامن الشعبي ومعارضة الحكومة

وفي فرنسا، حيث يتأرجح الموقف الرسمي بين الحذر والرفض، كسرت عشرات البلديات قيود وزارة الداخلية والأحكام القضائية الأولية التي حاولت منع رفع علم فلسطين. ففي خطوة تحدٍّ واضحة، رفعت نحو 86 بلدية العلم الفلسطيني فوق مبانيها، من بينها مدن كبرى مثل نانت وضاحية سان دوني الباريسية.

رئيسة بلدية نانت، جوانا رولان، كتبت عبر منصة “إكس” أنّ رفع العلم الفلسطيني هو “دعم لقرار الجمهورية الفرنسية في الاعتراف بالدولة الفلسطينية”. أما جاكلين بيلهوم، رئيسة بلدية مالاكوف، فأعلنت أنها لن تزيل العلم الفلسطيني “قبل الثلاثاء”، متحدية أمراً قضائياً صدر بحقها. في سان دوني، شارك الأمين الأول للحزب الاشتراكي أوليفييه فور في احتفال رفع العلم، معلناً أنّها “علامة تضامن” ودعوة صريحة للرئيس إيمانويل ماكرون لإلغاء قرارات وزارة الداخلية الرافضة.

في المقابل، وجّه وزير الداخلية المستقيل برونو روتايو برقيات إلى المحافظين يحثهم فيها على منع البلديات من رفع العلم الفلسطيني، بحجة “مبدأ حياد الخدمة العامة”، مهدداً باللجوء إلى القضاء الإداري. غير أنّ الموجة الواسعة من التضامن الشعبي والسياسي جعلت قرارات المنع تبدو ضعيفة التأثير أمام قوة الرمزية التي حملها العلم الفلسطيني وهو يرفرف على مبانٍ رسمية في فرنسا.

الرمزية السياسية ومغزى الاعتراف الدولي

إنّ رفع العلم الفلسطيني في لندن وبلديات فرنسا لا يمكن اعتباره مجرد حدث بروتوكولي، بل هو انعكاس مباشر لتحول في المزاج الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فبعد سنوات من المماطلة، جاءت هذه الاعترافات كتتويج لعقود من المقاومة الشعبية والسياسية، ولصمود الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية رغم الإبادة والحصار.

الاعتراف الدولي بدولة فلسطين يعكس رفضاً متزايداً لسياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على الاستيطان والتهجير، ويضع تل أبيب في مواجهة عزلة سياسية متصاعدة. كما أنه يفضح تناقض الحكومات الغربية التي طالما دعمت إسرائيل بذريعة “الشرعية الدولية”، فإذا بها اليوم ترضخ لضغوط الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني التي لم تعد تقبل استمرار الاحتلال بلا ثمن سياسي.

ومن زاوية أخرى، فإنّ الخطوة البريطانية تحمل دلالة خاصة، إذ تأتي بعد مئة عام على وعد بلفور الذي مهّد لإقامة الكيان الإسرائيلي. بهذا المعنى، فإنّ اعتراف لندن بالدولة الفلسطينية يُقرأ كتصحيح متأخر لخطأ تاريخي، وإن كان لا يعوض مآسي الشعب الفلسطيني على مدى قرن كامل.

المقاومة والصمود: وقود الاعترافات

لا شك أنّ الاعترافات الدولية لم تكن لتتحقق لولا صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته المستمرة. فكل شهيد سقط في غزة، وكل أسير في سجون الاحتلال، وكل احتجاج في الضفة، وكل حملة تضامن في العواصم الأوروبية، ساهمت في خلق رأي عام عالمي ضاغط أجبر الحكومات الغربية على مراجعة مواقفها.

إنّ المشهد في لندن ونانت وسان دوني ليس إلا نتيجة مباشرة لإرادة شعبية فلسطينية لا تلين، ورسالة للعالم مفادها أنّ فلسطين ليست مجرد قضية إنسانية بل قضية تحرر وطني تستحق الدعم والاعتراف.

خاتمة: علم يرفرف فوق الاحتلال

مشاهد رفع العلم الفلسطيني في لندن وبلديات فرنسية عديدة تشكّل تحوّلاً رمزياً يعكس أن العالم لم يعد قادراً على تجاهل الحق الفلسطيني. هذه اللحظة التاريخية لا تنهي الصراع، لكنها تُعيد رسم معادلاته: فإسرائيل التي حاولت طمس الهوية الفلسطينية تجد نفسها اليوم أمام موجة اعترافات دولية متلاحقة، بينما المقاومة والشعب الفلسطيني يثبتان أنّ الصبر والنضال الطويل قادران على تحقيق اختراقات سياسية كبرى.

إنها بداية فصل جديد عنوانه أنّ فلسطين، برمزيتها وصمودها، قادرة على أن ترفرف رايتها فوق عواصم العالم، حتى وإن بقي الاحتلال جاثماً فوق أرضها.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يسعى لتقسيم سوريا عبر توغلات جنوبية متواصلة