تشهد ولاية النيل الأبيض تصاعدًا مقلقًا في أعداد النازحين القادمين من مناطق القتال، خصوصًا من منطقة هجليج بولاية غرب كردفان، في ظل عجز واضح عن تلبية الاحتياجات الأساسية. وأكدت مفوضة العون الإنساني بالولاية أن الغذاء المتوفر في معسكرات النزوح غير كافٍ إطلاقًا، بسبب التدفقات الكبيرة التي فاقت إمكانيات الولاية المحدودة. وحذّرت من ظروف صحية وإنسانية قاسية يعيشها النازحون، مطالبة بمضاعفة الدعم العاجل لتفادي تفاقم الكارثة.
وخلال أيام قليلة، ارتفع عدد النازحين الجدد إلى مدينة كوستي إلى نحو 1700 نازح، معظمهم من النساء والأطفال، بعد رحلة نزوح شاقة هربًا من القتال وانعدام مقومات الحياة. ويُقيم هؤلاء في مراكز إيواء مؤقتة تفتقر إلى الغذاء الكافي والمياه النظيفة والخدمات الصحية، ما يضعهم أمام مخاطر صحية متزايدة، خصوصًا مع انتشار الأمراض وسوء التغذية.

تقليص المساعدات يفاقم الأزمة
يتزامن هذا الوضع المتدهور مع إعلان برنامج الأغذية العالمي عن خفض كبير في حصص الغذاء المقدمة للسودانيين المعرضين لخطر المجاعة، بسبب نقص التمويل. وأوضح البرنامج أنه سيضطر بدءًا من يناير المقبل إلى خفض الحصص بنسبة تصل إلى 70%، وهو قرار ستكون له تبعات كارثية على ملايين المحتاجين، خاصة في مناطق النزوح التي تعتمد كليًا على المساعدات الإنسانية.
وتشير التقديرات إلى أن عدد المحتاجين للمساعدة في السودان سيبلغ 33.7 مليون شخص في عام 2026، مقارنة بـ30.4 مليونًا في عام 2025، فيما تستهدف الأمم المتحدة مساعدة 20.4 مليون شخص فقط، مع تحديد 14.2 مليونًا كأولوية عاجلة. هذا الفارق الكبير بين الاحتياجات والقدرة على الاستجابة يعكس فجوة تمويلية خطيرة، تهدد بدفع البلاد نحو مجاعة واسعة النطاق.
نزوح داخلي غير مسبوق وتداعيات إقليمية
وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين داخليًا داخل السودان 9.5 ملايين شخص، بينما فرّ نحو 4.34 ملايين إلى دول الجوار، ليرتفع إجمالي المهجرين إلى أكثر من 13 مليون إنسان. ولا تقتصر المعاناة على الداخل السوداني، إذ يواجه اللاجئون في مخيمات تشاد نقصًا حادًا في الخدمات وصعوبات كبيرة في تأمين المياه والغذاء، ما دفع المنظمات الإنسانية إلى مناشدة المانحين لتوفير الاحتياجات الأساسية بشكل عاجل.
هذا النزوح الكثيف يضغط على الولايات المستقبِلة، مثل النيل الأبيض، التي أصبحت ملاذًا لآلاف الفارين من جحيم الحرب، دون أن تمتلك الموارد الكافية لاستيعابهم. ومع استمرار تدفق النازحين، تتآكل القدرة المحلية على الصمود، وتزداد هشاشة الأوضاع الاجتماعية والصحية.
الحرب مستمرة وميليشيا الدعم السريع في قلب المأساة
تأتي هذه الكارثة الإنسانية في وقت تتصاعد فيه المعارك بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور. ومن أصل 18 ولاية، تسيطر ميليشيا الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس غرب البلاد، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، بينما يفرض الجيش نفوذه على معظم الولايات المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم. هذا الواقع الميداني يعكس استمرار الصراع واتساع رقعته، ما ينذر بمزيد من النزوح والانهيار الإنساني.
وتتحمل ميليشيا الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن تهجير المدنيين وتدمير مصادر عيشهم، عبر هجمات متكررة على القرى والبنية التحتية، واستخدام العنف كأداة للسيطرة. هذا السلوك يضاعف معاناة السكان، ويدفعهم إلى النزوح القسري نحو مناطق تعاني أصلًا من شح الموارد.
إجرام الإمارات ودورها في تغذية الصراع
لا يمكن فصل هذه المأساة عن الدور التخريبي الذي تلعبه دولة الإمارات في السودان، عبر دعمها السياسي والعسكري والمالي لميليشيا الدعم السريع. هذا الدعم أسهم في إطالة أمد الحرب، وتعقيد مسارات الحل، وتحويل المدنيين إلى وقود لصراع يخدم أجندات إقليمية. فبينما تتكدس معسكرات النزوح بالجوعى والمرضى، تستمر الإمارات في لعب دور الراعي غير المعلن لميليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم واسعة بحق المدنيين.
إن إجرام الإمارات لا يتجلى فقط في تغذية آلة الحرب، بل في تجاهلها المتعمد للنتائج الإنسانية الكارثية، من نزوح جماعي وتجويع وانهيار للخدمات الأساسية. هذا الدور يجعلها شريكًا في المأساة، ومسؤولة أخلاقيًا وسياسيًا عن تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان.
تحذير من الأسوأ وضرورة تحرك عاجل
في ظل هذا المشهد القاتم، تبدو ولاية النيل الأبيض نموذجًا مصغرًا لكارثة سودانية شاملة، حيث يتقاطع النزوح مع الجوع، وتلتقي الحرب مع تقليص المساعدات. ومع استمرار القتال ودعم الميليشيات، وغياب ضغط دولي حقيقي، يظل المدني السوداني هو الضحية الأولى والأخيرة.
إن إنقاذ ملايين السودانيين يتطلب تحركًا عاجلًا لوقف الحرب، وقطع الدعم الخارجي عن ميليشيا الدعم السريع، وعلى رأسه الدعم الإماراتي، إلى جانب مضاعفة التمويل الإنساني وفتح مسارات آمنة للمساعدات. دون ذلك، فإن مشاهد الجوع والنزوح في النيل الأبيض مرشحة للتوسع، لتصبح عنوانًا دائمًا لمأساة لا يبدو أن لها نهاية قريبة.
اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجّج حرب اليمن: مليشيا الانتقالي تحت نيران المسيّرات في حضرموت