مع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تكشفت فصول جديدة من الفساد الذي ترسخ في مفاصل الدولة السورية لعقود.
لم تكن الفرقة الرابعة، التي قادها ماهر الأسد بقبضة من حديد، مجرد وحدة عسكرية هدفها قمع المعارضين وتأمين النظام، بل كانت إمبراطورية مالية مترامية الأطراف تنخر الاقتصاد السوري، وتسيطر على مختلف القطاعات عبر عمليات نهب وسرقة منظمة.
وثائق مسربة، عُثر عليها في مقرات الفرقة المهجورة بدمشق، كشفت كيف تحولت هذه القوة العسكرية إلى ما يشبه “المافيا”، تمتص خيرات البلاد بينما يعاني المواطنون من الفقر والجوع.

ماهر الأسد: رجل الأعمال المقنع بالجيش
كانت الفرقة الرابعة بمثابة “دولة داخل الدولة”، لا تخضع إلا لأوامر ماهر الأسد، الذي كوّن شبكة واسعة من المنتفعين وأمراء الحرب، وتحولت هذه الفرقة من مجرد وحدة عسكرية إلى شبكة فساد تسيطر على تجارة المخدرات، وتهريب النفط، وفرض الإتاوات، والاحتكار الاقتصادي لمواد مثل التبغ والمعادن.
كشفت الوثائق المسربة أن ماهر الأسد وأعوانه احتفظوا بمبالغ طائلة نقدًا داخل خزائنهم السرية، حيث تم العثور على وثائق تثبت وجود ما يزيد عن 80 مليون دولار و41 مليار ليرة سورية في حسابات الفرقة حتى منتصف عام 2024.
لم يقتصر الأمر على المال فقط، بل امتد إلى ممتلكات عقارية فاخرة، وسيارات فارهة، وساعات من علامات تجارية عالمية، كلها كانت جزءًا من مظاهر الثراء الفاحش الذي تمتع به ماهر الأسد وأعوانه.
في حين كان أفراد الجيش السوري التابعون للفرقة يعانون من أوضاع مزرية، وصلت إلى حد التسوّل كما أظهرت بعض الوثائق التي كشفت طلبات إعانة من الجنود لشراء الطعام لعائلاتهم.
نهب الدولة السورية: من المعابر إلى الأنفاق السرية
لم يكن النهب عشوائيًا، بل كان منظّمًا ويشمل كل قطاعات الاقتصاد السوري. فرضت الفرقة الرابعة إتاوات ضخمة على المعابر الحدودية والموانئ، واحتكرت تجارة النفط حتى من المناطق التي يسيطر عليها المسلحون المعارضون، بل ورافقت شاحنات النفط مقابل مبالغ مالية.
كما كانت تسيطر على تجارة التبغ والنحاس والحديد، إذ لم يكن يُسمح لأي تاجر بالعمل دون دفع “الإكراميات” لعناصر الفرقة.
أحد أكثر الاكتشافات إثارة كان مقر ماهر الأسد السري، وهو عبارة عن شبكة أنفاق واسعة تمتد تحت جبل في دمشق، مزودة بمخارج طوارئ وغرف محصنة، مما يوضح مدى التخطيط المحكم لهذه الإمبراطورية الفاسدة.
بعد سقوط النظام، تم العثور على خزائن مهجورة داخل هذه الأنفاق، بالإضافة إلى أجهزة تغليف نقدي، ما يؤكد أن الفرقة كانت تتعامل بمبالغ طائلة نقدًا، بعيدًا عن النظام المصرفي السوري.
الفرقة الرابعة وتحويل سوريا إلى دولة مخدرات
لطالما اتهمت التقارير الدولية ماهر الأسد بإغراق الشرق الأوسط بالكبتاغون، وهو نوع من المخدرات الرخيصة التي كانت تُهرّب إلى الخليج العربي وأوروبا.
الوثائق الجديدة تؤكد تورط الفرقة في إدارة مصانع لإنتاج المخدرات في مناطق بريف دمشق، حيث كانت تُستخدم مواد مثل الكافيين والإيثانول لصنع حبوب الكبتاغون.
كانت عمليات تهريب المخدرات تتم عبر الحدود اللبنانية والتركية والعراقية، بمساعدة رجال أعمال مرتبطين بالفرقة الرابعة، مثل الأخوين قاطرجي وخالد قدور، الذين لعبوا دورًا رئيسيًا في تمويل أنشطة ماهر الأسد.
وتشير التقديرات إلى أن تجارة الكبتاغون وحدها حققت للفرقة الرابعة أرباحًا تصل إلى 10 مليارات دولار سنويًا.
مظاهر الثراء الفاحش وسط الفقر المدقع
بينما كان الشعب السوري يعاني من الجوع والفقر، كانت قيادة الفرقة الرابعة تعيش حياة مترفة، حيث كشفت الوثائق عن نفقات باهظة تتضمن شراء سيارات فارهة من طراز “مرسيدس” و”ليكزاس”، وشحنها إلى دبي، بالإضافة إلى صيانة قصور فاخرة في مناطق مثل يعفور بريف دمشق.
كما تم العثور على فواتير بمبالغ خيالية تشمل اشتراكات في منصات ترفيهية مثل “نتفليكس”، في الوقت الذي كان الجنود يتقاضون رواتب لا تكفيهم لتأمين الحد الأدنى من المعيشة.
وكان مدير مكتب أمن الفرقة، غسان بلال، أحد أبرز رموز الفساد، حيث وثّقت المستندات امتلاكه سيارات فارهة وشبكة من العلاقات التجارية داخل سوريا وخارجها، مكّنت الفرقة من العمل كمنظمة إجرامية عابرة للحدود.
ومع انهيار النظام، فرّ ماهر الأسد إلى العراق قبل أن ينتقل إلى روسيا عبر إيران، بينما غادر معظم أعوانه إلى لبنان والإمارات ودول أخرى، حاملين معهم مبالغ مالية ضخمة.
وعلى الرغم من سقوط النظام، لا تزال آثار فساد الفرقة الرابعة حاضرة بقوة، حيث تحذر التقارير من إمكانية استخدام الأموال المهربة في تمويل عمليات تمرد جديدة أو إعادة بناء شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات.
إرث الفرقة الرابعة: هل ينتهي النفوذ؟
رغم تفكيك الفرقة الرابعة، إلا أن إرثها لا يزال يشكّل تهديدًا حقيقيًا لسوريا، إذ أن شبكات الفساد التي أسسها ماهر الأسد لا تزال قادرة على التأثير في المشهد السياسي والاقتصادي، لا سيما في المناطق الساحلية التي انسحب إليها العديد من عناصر النظام السابق.
الوثائق المسربة ليست مجرد دليل على فساد الفرقة الرابعة، بل تُشكّل شهادة تاريخية على كيف استُخدمت مؤسسة عسكرية لتحويل سوريا إلى اقتصاد مافيوي قائم على النهب والابتزاز.
اليوم، ومع انطلاق عملية إعادة الإعمار، تبقى التساؤلات مطروحة حول كيفية محاسبة هؤلاء الفاسدين، وضمان عدم تكرار هذه الحقبة المظلمة في تاريخ سوريا.
اقرأ أيضًا : اختبار القيادة السورية أمام البلطجة الإسرائيلية.. هلينجح المشروع الوطني في مواجهة عملاء الصهاينة؟