في مشهد يعكس براعة المقاومة الفلسطينية واستمرارها في إرباك حسابات جيش الاحتلال، أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن تنفيذ عملية نوعية جديدة ضد قوات الاحتلال المتوغلة جنوب شرق مدينة غزة، لا سيما في حي الزيتون الذي يشهد منذ أسابيع معارك ضارية. وجاءت العملية بعد سلسلة ضربات نوعية نفذتها المقاومة على جبهات متفرقة، لتؤكد من جديد أن الكفاح الفلسطيني لم يتوقف رغم شراسة الحرب وحجم الإبادة التي يتعرض لها القطاع.
![]()
تفاصيل العملية الميدانية في الزيتون
بحسب بيان القسام الصادر عبر قناتها على “تيلغرام”، فقد تمكن مقاتلوها يوم السبت من استهداف دبابة “ميركفاه” وجرافة عسكرية من نوع “D9” في شارع 8 جنوب غرب حي الزيتون، مستخدمين قذيفة مضادة للدروع من طراز “الياسين 105” وعبوة “شواظ” شديدة الانفجار. العملية جرت في ظروف معقدة، حيث يحاول جيش الاحتلال فرض سيطرته على محاور التوغل، إلا أن المقاومة استطاعت التمركز والقيام بعملية رصد دقيقة قبل تنفيذ الاستهداف.
وسائل إعلام إسرائيلية أكدت أن عددا من الجنود أصيبوا جراء الهجوم على الدبابة في المنطقة، فيما تحدثت مصادر أخرى عن استدعاء الطيران المروحي لإجلاء المصابين، وهو ما يشي بحجم الخسائر الحقيقية التي يحاول الاحتلال إخفاءها تحت ستار “الرقابة العسكرية” المفروضة على الإعلام العبري.
عمليات متزامنة على جبهات أخرى
لم تقتصر ضربات القسام على الزيتون وحده، بل امتدت إلى شمال القطاع، حيث أُعلن عن استهداف دبابة “ميركفاه” بصاروخ مضاد للدروع في جباليا، إلى جانب إطلاق صواريخ مشابهة على مركبة “هامر” وجرافات عسكرية. كما ذكرت القسام أن مقاتليها دكّوا تجمعات للجنود والآليات بقذائف هاون في محور التوغل جنوب الزيتون، ما تسبب في خسائر مباشرة وإرباك في صفوف الاحتلال.
وفي عملية نوعية أخرى، تمكنت المقاومة يوم الجمعة من تدمير ناقلة جند صهيونية بعبوة أرضية شديدة الانفجار قرب جامعة غزة، وأكدت رصدها لهبوط طائرات مروحية إسرائيلية لإجلاء الجنود القتلى والجرحى، وهو ما يعزز رواية المقاومة عن تكبيد الاحتلال خسائر بشرية متزايدة.
الرقابة العسكرية وإخفاء الخسائر
تفرض المؤسسة العسكرية الإسرائيلية رقابة صارمة على وسائل الإعلام، مانعة نشر التفاصيل الدقيقة حول حجم الخسائر البشرية والمادية جراء ضربات المقاومة. هذا التعتيم يعكس مخاوف قيادة الاحتلال من انهيار معنويات المجتمع الإسرائيلي الذي يترنح تحت وطأة حرب طويلة، كلفت جيش الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 ما يقارب 900 قتيل و6,213 جريحا من جنوده، وفق بيانات رسمية منشورة على موقع الجيش نفسه، في حين تشير التقديرات الفلسطينية إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر بكثير.
الرقابة ليست مجرد تكتيك إعلامي، بل سياسة ممنهجة للحفاظ على “الوهم” القائل إن الجيش الأقوى في المنطقة ما زال يسيطر على الميدان. غير أن مشاهد الطائرات المروحية وهي تجلي القتلى والجرحى، والتقارير المتسربة بين حين وآخر، تكشف هشاشة هذه الرواية.
المقاومة بين الإبادة والابتكار
ما يميز عمليات القسام ليس فقط قدرتها على إلحاق الخسائر بالاحتلال، بل نجاحها في تطوير أدواتها القتالية رغم الحصار الخانق والحرب الشرسة. استخدام قذائف “الياسين 105” والعبوات الناسفة مثل “شواظ” يبرز قدرة المقاومة على الاستفادة من خبراتها الميدانية السابقة وتكييفها مع ظروف المعركة الراهنة. هذا التطوير المستمر يعكس حقيقة أن المقاومة لم تعد مجرد رد فعل، بل مشروع استراتيجي يسعى لاستنزاف الاحتلال على المدى الطويل.
ومن جهة أخرى، فإن هذه الضربات المتواصلة تأتي في سياق الرد الطبيعي على حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال بحق سكان غزة. أكثر من 63,459 شهيدا و160,256 مصابا، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إلى جانب 9,000 مفقود ومجاعة قتلت 339 فلسطينيا بينهم 124 طفلا، كلها أرقام تعكس أن ما يحدث ليس مجرد حرب، بل عملية إبادة ممنهجة.
دلالات سياسية وعسكرية
على المستوى العسكري، تثبت عمليات الزيتون وجباليا أن المقاومة ما زالت تملك زمام المبادرة رغم التفوق الجوي والمدرع للاحتلال. كل استهداف لدبابة أو ناقلة جند يعيد طرح سؤال داخل المؤسسة الإسرائيلية: إلى متى يمكن استمرار هذه الحرب دون تحقيق “النصر الحاسم” الذي وعدت به الحكومة المتطرفة؟
أما على المستوى السياسي، فإن استمرار ضربات القسام يضعف موقف حكومة نتنياهو داخليا وخارجيا. فالولايات المتحدة التي تقدم دعما غير محدود للاحتلال تجد نفسها في مواجهة انتقادات متصاعدة، خصوصا مع تعثر الجيش في تحقيق أهدافه وانكشاف حجم الجرائم المرتكبة ضد المدنيين.
خاتمة: المقاومة تصنع المعادلة
في المحصلة، عملية استهداف الدبابة والجرافة في حي الزيتون ليست مجرد خبر ميداني عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة معارك تثبت أن المقاومة الفلسطينية لا تزال تملك القدرة على فرض معادلاتها رغم الإبادة. براعة القسام في التخطيط والتنفيذ، وقدرتها على الصمود تحت القصف والحصار، تشكل رسالة واضحة: الاحتلال مهما حاول فرض قوته، سيبقى عاجزا عن كسر إرادة شعب قرر أن يقاوم حتى النهاية.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يعلن استعادة جثتين من غزة بعد “عمليات خاصة”