في ضربة جديدة تؤكد استمرار فعالية المقاومة الفلسطينية وتعقيد الواقع الميداني لقوات الاحتلال، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، اليوم الثلاثاء، استهداف ناقلة جند إسرائيلية من طراز “نمر” بقذيفتي “الياسين 105” شمال مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، وذلك بجوار مسجد الكتيبة.

هذا الاستهداف، الذي يأتي ضمن سلسلة متواصلة من العمليات النوعية، يكشف تطور قدرات المقاومة في استهداف الآليات المدرعة رغم تفوق الاحتلال التكنولوجي والاستخباراتي.

ناقلة “نمر”.. المدرعة التي لم تصمد أمام قذائف “الياسين”

ناقلة الجنود من طراز “نمر” تُعد من أكثر الآليات تطورًا لدى جيش الاحتلال، وتتميز بقدرتها على مقاومة العبوات الناسفة والأسلحة المضادة للدروع، وقد تم بناؤها على أساس دبابة “الميركافا 4” الشهيرة، لتكون عربة مدرعة قادرة على حمل الجنود بأمان نسبي في بيئات الحرب الحضرية.

ومع ذلك، فإن استهداف هذه المدرعة بقذيفتين من طراز “الياسين 105” – التي طورتها كتائب القسام محليًا – يمثل دليلًا دامغًا على فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في توفير الحماية لقواتها البرية حتى داخل ما يُفترض أنه مناطق “ممهدة” عسكريًا.

العملية وقعت بجوار مسجد الكتيبة، في منطقة تُعرف بأنها معقدة ميدانيًا وسبق أن كانت ساحة لمعارك عنيفة. نجاح القسام في ضرب “نمر” في هذه البقعة يرسل رسالة مزدوجة: أولًا، أن المقاومة ما زالت قادرة على المناورة والتحرك في الميدان، وثانيًا، أن الآليات الإسرائيلية، مهما بلغت من الحصانة، ليست في مأمن من ضربات المقاومة التي باتت تتقن فنون الكمائن والإخفاء والتصويب الدقيق.

 براعة المقاومة وتكتيك الكمائن يغير قواعد الاشتباك

خلال الأيام الأخيرة، بات واضحًا أن المقاومة الفلسطينية، وخصوصًا كتائب القسام وسرايا القدس، تعتمد بشكل متزايد على تكتيكات الكمائن والتفخيخ والاستهداف المباشر للآليات، ما أدى إلى تصاعد الخسائر البشرية في صفوف جيش الاحتلال. عملية استهداف ناقلة “نمر” اليوم ليست حدثًا معزولًا، بل تأتي في سياق تصاعد نوعي لعمليات المقاومة في مناطق عدة، منها الشجاعية وبيت حانون وجباليا شمالًا، ومحيط خان يونس جنوبًا، حيث تسود المواجهات منذ أشهر.

يوم أمس فقط، أعلنت سرايا القدس عن تدمير جرافة من طراز “D9” وآلية عسكرية في منطقة عبسان الكبيرة شرق خان يونس، كما قُتل ثلاثة جنود إسرائيليين وأصيب ضابط بجروح بالغة في كمائن للمقاومة شرق القطاع. هذه المعطيات تؤكد أن المقاومة لم تفقد زمام المبادرة رغم تفوق العدو في الطيران والاستطلاع والقوة النارية، بل إنها طورت تكتيكاتها ميدانيًا وأثبتت قدرتها على الصمود والمباغتة.

قوات الهندسة التابعة للاحتلال، والتي تُكلف بتمهيد الطرق وكشف العبوات الناسفة، تحولت إلى أهداف مباشرة، ما يؤثر على سير العمليات البرية ويجعل تقدم القوات القتالية أكثر بطئًا وخطورة. فخلال الأسابيع الأخيرة، تعرضت تلك الوحدات لسلسلة استهدافات أوقعت قتلى وجرحى وأعاقت عملها.

تآكل الردع الإسرائيلي وتعقيد المعركة البرية

نجاح المقاومة في ضرب ناقلة “نمر” لا يُقاس فقط بالنتائج المباشرة (من قتلى أو جرحى) وإنما بما تسببه من إرباك استراتيجي ومعنوي للجيش الإسرائيلي. فهذه الناقلة تُعتبر أحد رموز “الردع البري” لدى الاحتلال، وضربها يُفقد الجنود شعورهم بالأمان حتى داخل الآليات المحصنة. كما أن استمرار تعرض المدرعات والدبابات للاستهداف يُجبر الاحتلال على تغيير خططه، أو تأخير العمليات، أو حتى سحب بعض القوات من مناطق الاشتعال.

ويعترف بعض المحللين العسكريين الإسرائيليين بأن المعركة البرية في غزة تحولت إلى “حرب استنزاف غير محسوبة”، إذ لم تتمكن القوات الإسرائيلية من القضاء على البنية العسكرية لحماس أو الجهاد رغم مرور أشهر من العمليات، بل باتت تُفاجأ بتكتيكات متقدمة، وإعادة انتشار سريع، واستخدام دقيق للسلاح.

في المقابل، تستخدم المقاومة ترسانتها المحلية بمهارة: قذائف “الياسين”، والعبوات الموجهة، والصواريخ القصيرة المدى ضد الآليات، كما تستخدم الأنفاق والبيئة الحضرية المعقدة لتحقيق التفوق الميداني رغم عدم تكافؤ الإمكانات.

خاتمة: غزة… ساحة الكرامة التي تقاوم

استهداف ناقلة “نمر” بقذيفتين من طراز “الياسين 105” في شمال خان يونس يعيد التأكيد على معادلة غزة: لا حصانة للمحتل، ولا مكان آمن لجنوده داخل القطاع. فالمقاومة، التي تُراكم الخبرات منذ سنوات، باتت تتقن استخدام كل حجر وزقاق وشارع لتقلب موازين المعركة.

وإذا كانت إسرائيل تراهن على الحسم العسكري، فإن الواقع على الأرض يفرض معادلة أخرى، عنوانها أن غزة ما زالت تُقاتل، وأن المقاومة لم تُكسر رغم الحصار والقصف، وأن براعة المقاتلين تعني استمرار الكلفة العالية لأي عدوان. فهذه ليست حربًا قصيرة، بل اختبار طويل للوعي والكرامة والقدرة على الصمود، وتبدو المقاومة حتى الآن أكثر ثباتًا مما توقعت منظومة الاحتلال.

 اقرأ أيضا : عباس يربط سلام غزة بتسليمها لإسرائيل: الانسحاب شرطٌ شكلي و”حماس لن تحكم”!