في ظل تصاعد حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس”، مساء الثلاثاء، مسؤوليتها عن قصف مستوطنتي “نير إسحاق” و”مفتاحيم” الواقعتين جنوب الأراضي المحتلة، ضمن ردّها المتواصل على الجرائم الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا.

صواريخ “Q20”.. رسالة المقاومة في قلب النار

في بيان مقتضب عبر منصة “تلغرام”، قالت كتائب القسام إنها أطلقت رشقة صاروخية من طراز “Q20” على مستوطنتي “نير إسحاق” و”مفتاحيم”، من داخل منطقة تتواجد فيها آليات عسكرية إسرائيلية شمال مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة. هذا الإعلان يحمل دلالة مزدوجة: من جهة هو تأكيد على استمرار قدرة المقاومة على إطلاق النار حتى من المناطق التي تشهد اجتياحًا بريًا، ومن جهة أخرى يعكس فشل الاحتلال في تحييد قدرة الفصائل على المناورة والرد رغم الحصار والمجازر.

وبحسب بيان القسام، فإن هذا القصف يأتي في إطار الرد المشروع على جرائم الحرب المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة، والتي تتخذ طابعًا ممنهجًا من حيث القتل والتدمير والتجويع. وتُعدّ مستوطنتا “نير إسحاق” و”مفتاحيم” من النقاط العسكرية وشبه العسكرية المحاذية للقطاع، ما يجعلها ضمن نطاق الرد التقليدي للفصائل الفلسطينية، خاصة مع تصاعد العمليات البرية في خانيونس ورفح.

وفي المقابل، قال جيش الاحتلال إنه اعترض صاروخين أُطلقا من جنوب القطاع، بعد تفعيل صفارات الإنذار في خمس مستوطنات متاخمة لغزة، من بينها “يشع”، “عميوز”، “بري غان”، “نير يتسحاق”، و”مفتاحيم”. وعلى الرغم من تكرار الإعلان عن “نجاحات” القبة الحديدية، إلا أن فشلها في اعتراض كافة الصواريخ يعيد طرح السؤال عن مدى فاعلية النظام الدفاعي الإسرائيلي أمام صواريخ المقاومة المطوّرة.

الإبادة مستمرة.. والمقاومة تردّ رغم الجراح

القصف الصاروخي للقسام، رغم محدوديته من حيث التوقيت أو عدد المقذوفات، يكتسب بعدًا رمزيًا ومعنويًا مهمًا في سياق حرب غير متكافئة. فبعد مرور أكثر من تسعة أشهر على بدء العدوان الإسرائيلي، لم تتمكن آلة الحرب من كسر إرادة المقاومة أو شلّ قدراتها العسكرية، رغم التدمير الواسع للبنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية في غزة.

الرد القسامي يأتي بينما يعيش القطاع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، وسط مجازر يومية ترتكبها قوات الاحتلال بحق المدنيين. ووفقًا لآخر إحصائية، فإن عدد الضحايا في غزة بلغ نحو 191 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود، ومئات الآلاف من النازحين الذين يفترشون الأرض ويبحثون عن الطعام والماء والأمان في أرض محروقة.

وفي ظل هذا الوضع المأساوي، فإن إصرار المقاومة على مواصلة الرد، سواء عبر الصواريخ أو الكمائن أو الاشتباكات البرية، يعكس رسائل سياسية وعسكرية في آن: الأولى موجهة للداخل الفلسطيني ومفادها أن “المقاومة باقية ولن تُكسر”، والثانية للعدو الإسرائيلي بأن معادلة الردع لا تزال قائمة، وأن ارتكاب المجازر لن يمرّ دون ثمن.

المقاومة تحت النار.. لكنها لم تُهزم

منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر، يعتمد الاحتلال الإسرائيلي على استراتيجية “الضغط الشامل”: تدمير المدن، استهداف المدنيين، قتل المسعفين، قصف المستشفيات، وفرض المجاعة. ومع ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية لم تُهزم عسكريًا. بل على العكس، لا تزال قادرة على تنفيذ عمليات مؤلمة للاحتلال سواء عبر استهداف جنوده في الكمائن، أو من خلال ضرب المستوطنات بالصواريخ، أو عبر العمل الاستخباري الذي أربك المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

ورغم الفارق الكبير في القوة العسكرية والتقنية، فإن ما يُربك الحسابات الإسرائيلية هو “استدامة المقاومة”، أي قدرة القسام وسرايا القدس وغيرها من الفصائل على الحفاظ على الوتيرة القتالية حتى في ظل الحصار والدمار، وهو ما يعتبر في علم الحروب عنصرًا جوهريًا يُحدد مصير المعركة على المدى الطويل.

كما أن قصف مستوطنات “نير إسحاق” و”مفتاحيم” يحمل رسالة واضحة مفادها أن الغطاء الجغرافي للمستوطنين ليس بمنأى عن الرد، وأن أمن الداخل الإسرائيلي سيظل مهددًا طالما استمرت حرب الإبادة في القطاع. وهذا يُذكّر بمعادلة “الردع بالصواريخ” التي تبنّتها المقاومة منذ سنوات، والتي أثبتت فعاليتها في إبقاء الاحتلال في حالة تأهب دائم.

ختامًا.. القصف رسالة صمود

في ظل الحرب المفتوحة التي يشنها الاحتلال، فإن قصف مستوطنات الاحتلال يمثل ليس فقط ردًا عسكريًا، بل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن المقاومة لم تنكسر، وأن غزة ليست ساحة مفتوحة للقتل دون عقاب. فحتى تحت القصف، وتحت الركام، وبين أنقاض المستشفيات والمخيمات، ما زالت فصائل المقاومة تُطلق صواريخها وتُعيد رسم معادلات جديدة للصراع.

لقد فشلت إسرائيل حتى الآن في كسر إرادة غزة، كما فشل حلفاؤها في فرض الاستسلام على شعب قرر أن يقاتل حتى آخر رمق. وبينما يواصل العالم صمته، أو تواطؤه، فإن المقاومة، بقلة إمكانياتها وكثرة جراحها، تواصل إرسال رسائلها بلغة النار: أن غزة، رغم كل شيء، تقاوم.

اقرأ أيضًا : جنوب غزة يوجع الاحتلال: خسائر بشرية وميدانية تهز صورة الجيش الإسرائيلي