في تحول لافت لمجريات المعركة، بات الجنوب الغزي – وخاصة مدينتا خان يونس ورفح- شاهدًا على تصعيد غير مسبوق من جانب المقاومة الفلسطينية، التي استطاعت تكبيد جيش الاحتلال الإسرائيلي خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وضربت هيبته العسكرية في مقتل. 

هذه المنطقة، التي كانت هدفًا رئيسيًا لعمليات الاجتياح الإسرائيلي منذ استئناف الحرب في 18 مارس/آذار 2025، تحولت اليوم إلى مستنقع دموي أفقد الاحتلال عنصر المفاجأة، وكشفت عجزه أمام صمود المقاومة وتطور تكتيكاتها.

الميدان ينقلب: المقاومة تباغت وتُفشل

منذ أسابيع، كثّفت كتائب القسام وسرايا القدس عملياتهما النوعية ضد قوات الاحتلال التي توغلت جنوب القطاع. ورغم تفوق الاحتلال في العتاد والطيران والمسيرات، فإن مجاهدي المقاومة استعادوا زمام المبادرة، وشنوا كمائن محكمة أربكت التشكيلات الإسرائيلية وأوقعت بها خسائر مباشرة.

ففي خان يونس، نفّذ المقاومون هجمات مباغتة استهدفت آليات وقوات راجلة داخل المناطق السكنية، مستخدمين عبوات ناسفة ومضادات دروع متطورة، أبرزها قذائف “الياسين 105″ و”كورنيت” الموجهة، ما أدى إلى تفجير دبابات ومركبات مدرعة بشكل موثق في عدة مناطق، وأوقع قتلى وجرحى في صفوف جنود الاحتلال، بينهم ضباط كبار.

وفي رفح، المعقل الجنوبي الذي كان الاحتلال يأمل أن يحسم فيه المعركة، اصطدم بجدار ناري من الكمائن والأنفاق والمتفجرات، حيث اضطر الجنود إلى الانسحاب من بعض المناطق تحت ضربات المقاومة التي استهدفتهم داخل الأبنية وفي الأزقة الضيقة، بعيدًا عن قدرة الطيران على الحسم.

الفيديو الذي نشرته قناة الجزيرة يوم 1 يوليو 2025، يوثق جانبًا من هذه العمليات الدقيقة، ويُظهر مشاهد لانفجارات قوية تُصيب الآليات الإسرائيلية وسط مناطق محاصرة، فيما تبدو آثار الدماء والارتباك واضحة على الجنود الناجين.

انهيار الصورة الدعائية: جيش “لا يُقهر” يتقهقر

من أبرز نتائج تصاعد العمليات في جنوب القطاع، هو الانهيار الكبير في صورة الجيش الإسرائيلي التي روّجت لها الحكومات المتعاقبة على مدار عقود. فما جرى في خان يونس ورفح لم يكن مجرد خسائر ميدانية، بل كان ضربة قوية للصورة الذهنية للجيش الأكثر تسليحًا في المنطقة.

وسائل الإعلام العبرية لم تخف قلقها، إذ تحدثت قنوات إسرائيلية عن “نكسات عملياتية” في الجنوب، فيما اعترف المتحدث باسم الجيش بسقوط قتلى وجرحى في “ظروف معقدة”. أما عائلات الجنود، فقد خرجت للاحتجاج مجددًا، مطالبة الحكومة بإعادة أبنائهم ووقف “الزج بهم في مستنقع غزة القاتل”.

ويُشار إلى أن جيش الاحتلال حاول مرارًا التقليل من حجم الخسائر عبر حجب أسماء القتلى والتقليل من عدد الإصابات، لكن مقاطع الفيديو التي تبثها المقاومة، إلى جانب شهادات الميدان، جعلت من التكتم الرسمي مادة للسخرية.

شجاعة لا تلين: روح المقاومة تتجلى

لا يمكن الحديث عن معركة جنوب غزة دون التوقف أمام بسالة المقاتلين الفلسطينيين الذين يقاتلون منذ شهور في ظروف إنسانية وأمنية صعبة. فعناصر المقاومة يقاتلون وهم محاصرون، يعانون من نقص الغذاء والماء والدواء، ويخسرون يوميًا أسرهم ومنازلهم بسبب القصف.

ورغم كل ذلك، تظهر مشاهد الكتائب وهم ينفذون العمليات بدقة عالية، ويلقون بالقنابل من مسافات قصيرة، ويفجرون العبوات تحت الآليات، بل ويعودون غالبًا بسلام إلى قواعدهم داخل الأنفاق، وكأنهم أشباح من نار.

وهذا التفوق المعنوي، إضافة إلى التدريب العالي والتخطيط الدقيق، جعل المقاومة قادرة على فرض واقع جديد جنوب القطاع، واقع يسحب من الاحتلال قدرته على التقدم ويجعله عالقًا في دوامة استنزاف مادي وبشري ونفسي.

خاتمة: الجنوب يحسم المشهد؟

تكشف التطورات في جنوب قطاع غزة أن المعركة هناك لم تعد مجرد جولة قتالية، بل هي مفصل استراتيجي في الحرب الدائرة منذ أكثر من 8 أشهر. فبينما تروّج الحكومة الإسرائيلية لنهاية وشيكة للمعركة، يبدو أن الوقائع على الأرض -وخاصة في خان يونس ورفح- تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

وإذا استمرت وتيرة العمليات النوعية على هذا النحو، فإن الاحتلال قد يجد نفسه مجبرًا على الانسحاب أو تقليص وجوده، بعدما بات الجنود يدفعون ثمن كل خطوة جديدة بالدم. وفي ظل غياب أي إنجاز سياسي أو عسكري حاسم، فإن هذه الخسائر تُعد أقسى ما يمكن أن يواجهه جيش الاحتلال في معركة مفتوحة.

اقرأ أيضًا : الضفة تشتعل: تصاعد هجمات المستوطنين والاحتلال يعتقل العشرات وسط صمت السلطة