في خطوة لافتة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية متشابكة، أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية تحذيراً رسمياً لرعاياها في دولة الإمارات، طالبتهم فيه بالابتعاد عن أي مواقع أو فعاليات مرتبطة بالجاليتين اليهودية والإسرائيلية، في ظل معلومات استخباراتية تشير إلى وجود تهديدات جدية قد تستهدف هذه المجتمعات.

التحذير الذي جاء عبر حساب السفارة الأمريكية في أبوظبي على منصة “إكس” لم يقتصر على التنويه العام، بل أشار صراحة إلى أن دور العبادة وأماكن التجمع الخاصة باليهود والإسرائيليين قد تكون أهدافاً محتملة، ما يعكس مستوى القلق الأمني داخل الدولة الخليجية التي تقدم نفسها كنموذج لـ”التسامح” في المنطقة.

تحذير مزدوج.. وقلق إسرائيلي متزامن

التحذير الأمريكي جاء متزامناً مع تحذير آخر أصدره مجلس الأمن القومي الإسرائيلي لمواطنيه، طالبهم فيه بتوخي الحذر عند السفر إلى الإمارات، محذراً من تهديدات قد تستهدفهم من قبل “منظمات إرهابية”. هذا التزامن ليس صدفة، بل يشير إلى وجود معلومات أمنية مشتركة، ربما مصدرها أجهزة استخباراتية غربية وإسرائيلية، تؤكد أن الأوضاع الأمنية في الإمارات لم تعد بالاستقرار الذي تسوّقه أبوظبي للعالم.

ويأتي ذلك في وقت بالغ الحساسية، إذ أعلنت الحكومة الإسرائيلية قبل أيام نيتها توسيع السيطرة على قطاع غزة، في خطوة اعتبرها محللون استفزازاً إضافياً قد يرفع منسوب المخاطر على الإسرائيليين ومصالحهم في الخارج.

الإمارات.. من شريك تجاري إلى “ملاذ آمن” للاحتلال

منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” في سبتمبر 2020، تحولت الإمارات إلى واحدة من أكثر الوجهات نشاطاً للإسرائيليين في العالم العربي، سواء على مستوى السياحة أو التجارة أو حتى النشاطات الثقافية والدينية. في دبي وحدها، أصبح من المألوف رؤية المطاعم الإسرائيلية، والمعارض التي تشارك فيها شركات من تل أبيب، فضلاً عن وجود جالية يهودية منظمة تضم كنيساً كبيراً في أبوظبي.

هذه التحركات التي تصفها الإمارات بأنها “تجسيد للتسامح والتعايش” يراها منتقدون، خصوصاً في العالم العربي، بأنها انحراف عن الثوابت القومية والدينية، و”تبييض” لصورة الاحتلال الإسرائيلي عبر توفير بيئة آمنة له في قلب المنطقة. بالنسبة لهؤلاء، فإن أبوظبي لم تكتفِ بالتطبيع السياسي، بل تحولت إلى منصة لتوسيع النفوذ الإسرائيلي، بما يشمل الاستثمارات، والتواجد الأمني غير المعلن، وحتى تبادل الخبرات الاستخباراتية.

هشاشة الصورة الأمنية رغم خطاب “الأمان”

لطالما تسوّق الإمارات نفسها كواحدة من أكثر الدول أماناً في العالم، مستفيدة من بنيتها الأمنية المتطورة واستثماراتها في التكنولوجيا والمراقبة. غير أن التحذيرات الأخيرة من الولايات المتحدة وإسرائيل تكشف عن ثغرات أمنية محتملة، أو على الأقل عن إدراك بأن وجود مجتمعات إسرائيلية نشطة في قلب الخليج قد يجعلها هدفاً في أي لحظة، خاصة في ظل الغليان الشعبي العربي جراء مشاهد القتل والتدمير في غزة.

هذه التحذيرات تهدد مباشرة صورة الإمارات كـ”وجهة آمنة للأعمال والاستثمار”، وهي الصورة التي أنفقت أبوظبي مليارات الدولارات لبنائها على مدى العقدين الماضيين. فإذا كانت الجاليات الإسرائيلية نفسها باتت تحت مجهر التهديد، فإن ذلك يفتح الباب لتساؤلات أوسع حول قدرة الدولة على تحييد نفسها عن تداعيات الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

البعد الإقليمي: من غزة إلى أبوظبي

التطورات الأخيرة تبرز كيف أن اتفاقيات التطبيع لم تُخرج الدول الموقعة من دائرة التأثر بالصراع، بل على العكس، جعلت أراضيها مرتبطة مباشرة بالمعادلات الأمنية للمنطقة. فالهجمات أو التهديدات التي تستهدف إسرائيليين في الخارج لم تعد تقتصر على العواصم الأوروبية أو الآسيوية، بل باتت تشمل دولاً خليجية حليفة لواشنطن وتل أبيب.

هذا الارتباط يعني أن أي تصعيد عسكري في غزة أو لبنان أو حتى الضفة الغربية قد ينعكس فوراً على الوضع الأمني في الإمارات، سواء عبر تهديدات حقيقية أو عبر مخاوف استباقية تدفع الحكومات الغربية إلى إصدار تحذيرات من هذا النوع.

التناقض بين الشعارات والواقع

تصر الإمارات على تسويق نفسها كدولة “التسامح”، وتستضيف فعاليات دينية عالمية تجمع ممثلين عن مختلف الأديان، وتتباهى بوجود كنائس ومعابد ومساجد في مسافة جغرافية قصيرة. لكن التحذيرات الأمنية الأخيرة تضع هذه الصورة تحت الاختبار، إذ يبدو أن هذا “التسامح” لا يضمن الحصانة من تبعات التحالفات السياسية المثيرة للجدل، وعلى رأسها التحالف مع دولة الاحتلال.

كما أن هذه السياسة تحمل تكلفة سياسية داخلية وإقليمية، فالغالبية الشعبية في العالم العربي والإسلامي ترى أن استضافة الإسرائيليين وتوفير ملاذ آمن لهم في وقت يرتكب فيه جيش الاحتلال جرائم حرب في غزة، يمثل استفزازاً لمشاعرهم وخيانة لقضية فلسطين.

خاتمة: ملاذ أم فخّ استراتيجي؟

التحذير الأمريكي الأخير ليس مجرد إشعار أمني عابر، بل مؤشر على أن الإمارات دخلت مرحلة جديدة من التعقيد في معادلتها الأمنية والسياسية. فبينما كانت تحاول لعب دور “واحة استقرار” في محيط مضطرب، فإن انفتاحها الكامل على الاحتلال الإسرائيلي جعلها جزءاً من معادلة الصراع، ما قد يحوّلها من ملاذ آمن إلى ساحة تهديد.

وفي ظل استمرار الحرب على غزة، وتنامي الغضب الشعبي العربي، فإن وجود الإسرائيليين في الإمارات قد يصبح ورقة ضغط على أبوظبي نفسها، ويجعلها تدفع ثمن تحالفاتها، ليس فقط على مستوى السمعة، بل وربما على مستوى أمنها الداخلي واستقرارها الاقتصادي في المستقبل.

اقرأ أيضًا : حساب سعودي شهير يفضح “خيانة السيسي”: صفقة الغاز مع إسرائيل أكبر دعم لتل أبيب منذ 7 أكتوبر