في خطوة تثير الكثير من الجدل والشكوك حول نوايا ما يُعرف بـ”مؤسسة غزة الإنسانية”، أعلنت المؤسسة المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، عن تعيين القس الأميركي الإنجيلي المتطرف جوني مور رئيساً تنفيذياً لها، رغم تاريخه المعلن في دعم الاحتلال الإسرائيلي والدعوة إلى فرض وصاية أجنبية على قطاع غزة المحاصر.

ويأتي هذا التعيين في لحظة حرجة تمر بها غزة، بعد أكثر من ثمانية أشهر من حرب إبادة شنتها إسرائيل على القطاع، وسط اتهامات متزايدة باستخدام المساعدات الإنسانية كأداة ضغط سياسي.

ويُخشى أن يؤدي تعيين مور إلى تحويل هذه المؤسسة، التي تروّج لنفسها على أنها تقدم “مساعدات إنسانية”، إلى أداة لتطبيق أجندات أميركية إسرائيلية على حساب سكان القطاع المنكوب.

خلفية القس مور.. داعم صريح للوصاية الأميركية على غزة

القس جوني مور ليس مجرد رجل دين أميركي، بل شخصية سياسية مثيرة للجدل، سبق أن شغل منصب مستشار إنجيلي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويُعرف بتأييده المطلق لإسرائيل، وبدعواته العلنية لفرض السيطرة الأميركية على غزة.

ففي فبراير/شباط 2024، وبعد طرح ترامب فكرة أن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على غزة وتطويرها، دعم مور المقترح بحماسة، وكتب عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً): “الولايات المتحدة ستتحمل المسؤولية الكاملة عن مستقبل غزة، وستمنح الجميع الأمل والمستقبل.”

كما نشر بعد ذلك بأسابيع مقطع فيديو تحت عنوان “تعالوا لزيارة غزة الجميلة”، صوّر فيه القطاع على أنه كان سيصبح “ريفييرا الشرق الأوسط” لولا وجود “مسلحي حماس”، في تبنٍّ واضح لرؤية الاحتلال الإسرائيلي التي تلقي باللوم على المقاومة الفلسطينية في دمار غزة، متجاهلاً العقوبات الجماعية والحصار والحروب التي شنتها إسرائيل على السكان المدنيين منذ 2007.

وفي زيارة لإسرائيل بعد نحو ثلاثة أشهر من هجوم 7 أكتوبر، قال مور: “لم أرَ مثل هذا الرعب من قبل”، في إشارة إلى ما وصفه بـ”الهجمات الحمساوية”، لكنه لم يتحدث حينها عن عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلوا تحت القصف الإسرائيلي.

مؤسسة “إنسانية” أم ذراع سياسية؟

تأسست “مؤسسة غزة الإنسانية” مؤخراً برعاية أميركية – إسرائيلية، وبدأت عملياتها في مايو/أيار 2025، بتوزيع المساعدات عبر ما تسميه “نقاط توزيع آمنة”، يتم تأمينها عبر شركات أمنية أميركية خاصة، بدلاً من التنسيق مع الأمم المتحدة أو منظمات إنسانية محايدة.

وتدّعي المؤسسة أنها وزعت أكثر من 7 ملايين وجبة حتى الآن، لكن الأمر لم يمر دون انتقادات حادة من جهات أممية وحقوقية. فقد وصفت الأمم المتحدة النظام الذي تتبعه المؤسسة بأنه “يُضفي طابعاً عسكرياً على العمل الإنساني”، وأكدت أنه “يحول المساعدات إلى أداة سياسية مشروطة”.

تصريحات توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، كانت واضحة: “هذه المؤسسة تجعل المساعدات مشروطة بأهداف سياسية وعسكرية، وتستخدم التجويع ورقة مساومة.” 

وهي اتهامات خطيرة تشير إلى خطر استغلال الكارثة الإنسانية في غزة لتمرير أجندات سياسية أميركية – إسرائيلية.

وبحسب فليتشر، فإن المنظمة “تُدار بروح من الاستعلاء السياسي، تتجاهل المبادئ الإنسانية الأساسية، ولا تلتزم بالحياد أو الشفافية”.

مجازر موازية ومخاوف دولية من عسكرة الإغاثة

تعيين جوني مور يأتي بعد أيام فقط من مجزرة إسرائيلية ارتكبت قرب مركز توزيع تابع للمؤسسة في مدينة رفح، حيث استشهد 27 فلسطينياً وأصيب العشرات، في هجوم أثار موجة إدانات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وأعاد إلى الأذهان الدور المشبوه الذي تلعبه بعض ما يُسمى بمؤسسات الإغاثة في القطاع.

ورغم فداحة الجريمة، لم يصدر عن المؤسسة أو رئيسها الجديد أي إدانة للمجزرة، بل واصل مور منشوراته الموجهة ضد الأمم المتحدة، متهماً إياها بالخذلان وتبرير استمرار الحرب، إذ كتب في 26 مايو: “يجب على الأمم المتحدة وغيرها من الجهات أن تتصرف بشكل أفضل وتعمل مع أميركا.”

أما عن اتهاماته للمقاومة الفلسطينية، فوصفهم بـ”الأشرار الذين يسرقون المساعدات”، متجاهلاً التوثيقات الدولية التي تشير إلى أن الحصار الإسرائيلي، وليس الفصائل الفلسطينية، هو السبب الرئيسي في حرمان السكان من الإغاثة.

الأمم المتحدة ترفض التعاون والقلق يتصاعد

حتى الآن، لم تُصدر الأمم المتحدة تعليقاً رسمياً على تعيين مور، لكن مسؤولين أمميين أكدوا مراراً رفضهم التعاون مع مؤسسة “غزة الإنسانية”، نظراً لانحيازها الصريح، واستخدامها شركات أمنية خاصة بدلاً من التنسيق الدولي المعتمد.

وتخشى منظمات الإغاثة أن يؤدي هذا النهج إلى تقسيم الجهود الإنسانية، وإضفاء الشرعية على مشاريع “الوصاية” الأجنبية، وهو ما يتعارض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويهدد بتحويل العمل الإنساني إلى أداة للابتزاز السياسي.

تعيين يُكرّس الانحياز وينسف حيادية العمل الإنساني

بوضوح، يمثل تعيين القس الإنجيلي جوني مور رئيساً لمؤسسة غزة الإنسانية انتكاسة خطيرة لمبادئ العمل الإنساني، وتحولاً في طبيعة المساعدات إلى ما يشبه عمليات التدجين السياسي. 

فالرجل ليس فقط من أشد المؤيدين لإسرائيل، بل دعا علناً إلى فرض وصاية أميركية على غزة، في تجاهل صارخ لإرادة سكانها المحاصرين.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال ارتكاب المجازر، تسعى أطراف دولية -من خلال مثل هذه التعيينات- إلى رسم مستقبل غزة بمنظور استعماري جديد، عنوانه “المساعدات مقابل الولاء”، وهو ما يجب على المجتمع الدولي والعربي التصدي له بكل وضوح.

اقرأ أيضًا : تعمد للإهانة والإذلال.. اجتماع وزراء الخارجية العرب في رام الله يُجهَض بفعل الاستيطان