في مشهد جديد يعكس هشاشة الموقف العربي في مواجهة تعنت الاحتلال الإسرائيلي، أُجهض اجتماع لوزراء خارجية عرب كان مقررًا عقده في مدينة رام الله، بعد أن رفضت “إسرائيل” السماح لهم بالوصول إلى الضفة الغربية المحتلة، بحجة “عدم التعاون مع تحركات تستهدف أمن إسرائيل”.

القرار الذي كشف عنه جاء ليفضح مجددًا كيف أن الاحتلال لا يعترف لا بسيادة ولا بدبلوماسية، حتى حين يتعلق الأمر بوفود رفيعة تمثل دولًا كبرى في الإقليم، وتضم أعضاء من اللجنة الوزارية المنبثقة عن القمة العربية الإسلامية الاستثنائية التي انعقدت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 لمناقشة تطورات العدوان على غزة.

وزارة الخارجية الأردنية أعلنت في بيان أن الوفد الوزاري المؤلف من وزراء خارجية الأردن، وقطر، والسعودية، ومصر، والبحرين، وتركيا، وإندونيسيا، ونيجيريا، إضافة إلى ممثلي فلسطين، والأمينين العامين للجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، اضطر لتأجيل زيارته إلى رام الله بعد أن منعت سلطات الاحتلال عبوره إلى الضفة.

جاء ذلك في ظل منع الاحتلال استخدام المجال الجوي فوق الضفة الغربية لأي وفد رسمي، في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية خطيرة، وتؤكد أن تل أبيب لا تنظر إلى أي طرف عربي – حتى الحليف – إلا من زاوية السيطرة الأمنية والهيمنة المطلقة.

 

إلغاء الزيارة.. هزيمة سياسية قبل أن تبدأ

الاجتماع الملغى كان يهدف لمناقشة قضية الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، في سياق تصاعد الدعوات الأوروبية، لا سيما من فرنسا، باتجاه الدفع نحو حل الدولتين كخيار لا بديل عنه. 

وبحسب مصادر سعودية، فإن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان أرجأ زيارته المقررة إلى الضفة، فيما أكد مسؤولون إسرائيليون رفضهم “لأي نشاط دبلوماسي يعقد في رام الله بهدف دعم دولة فلسطينية”.

وقال مسؤول إسرائيلي – في تصريحات صريحة تعكس الرفض التام لأي تحرك سياسي نحو إنهاء الاحتلال – إن “مثل هذه الدولة ستكون بلا شك دولة إرهابية في قلب أرض إسرائيل”، مضيفًا أن السماح بعقد مثل هذه الاجتماعات يعد “تهديدًا لأمننا”.

المفارقة أن الاجتماع المؤجل كان من المقرر أن يُعقد قبل أيام من انطلاق مؤتمر دولي في نيويورك، برعاية فرنسية سعودية مشتركة، لمناقشة مستقبل الدولة الفلسطينية، مما يضع هذه الحادثة في سياق صراع أوسع بين مشروعين؛ أحدهما يرى في الدولة الفلسطينية ضمانة للسلام، وآخر يعتبرها تهديدًا وجوديًا.

الاستيطان يسبق السياسة.. و”إسرائيل” تسابق الزمن لفرض أمر واقع

تعطيل الوفد العربي جاء بعد إعلان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش عن واحدة من أكبر موجات التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية منذ عقود، بإقرار بناء 22 مستوطنة جديدة، وهو ما اعتبره مراقبون بمثابة “إعدام علني” لأي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، لم يتردد في استخدام لغة الإهانة والتحدي، حين اعتبر أن أي اعتراف بالدولة الفلسطينية “مكانه مزبلة التاريخ”، واصفًا التصريحات الفرنسية بأنها “غير مسؤولة”، ومؤكدًا أن خطوات إسرائيل الاستيطانية “رسالة واضحة” للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ماكرون نفسه كان قد قال إن “الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس مجرد واجب أخلاقي، بل ضرورة سياسية”، في إشارة إلى أن فرنسا، ومعها دول أوروبية أخرى، بدأت تنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي لا كحليف استراتيجي وحيد في الشرق الأوسط، بل كعقبة حقيقية أمام الاستقرار الدولي.

التخاذل العربي… ما بين الخيانة والصمت

ما يدفع للتساؤل هنا: كيف يعقل أن تمنع دولة الاحتلال وزراء عربًا من دخول أرض عربية محتلة، دون أن يكون هناك رد فعل سياسي أو إعلامي يليق بحجم الإهانة؟ الواقع أن الاحتلال الإسرائيلي بات واثقًا من أن العجز العربي – وإن تزيّن بالقمم والبيانات – لن يتحول إلى أي ضغط فعلي.

بل على العكس، هناك دول عربية – كما في حالة البحرين والإمارات – تجد في التطبيع فرصة لكسب رضا واشنطن وتل أبيب، حتى وإن جاء ذلك على حساب الشعب الفلسطيني نفسه.

الأخطر من ذلك، أن منع الوفد العربي ليس فقط انتهاكًا لحقوق الفلسطينيين أو العرب، بل استعراض سافر لسيادة الاحتلال فوق الأرض، والسماء، وحتى الرموز الدبلوماسية، في ظل صمت رسمي مخزٍ.

تأجيل زيارة الوزراء العرب إلى رام الله لا يمكن فصله عن السياق الأشمل، حيث تتسارع التحركات الإسرائيلية للسيطرة الكاملة على الضفة الغربية، سياسيًا وعسكريًا واستيطانيًا، في وقت يكتفي فيه بعض القادة العرب بالتنديد الخافت أو التعلل بـ”عدم الرغبة في التصعيد”، وكأن الاحتلال لا يصعّد كل يوم بجرائمه.

خاتمة: من رام الله إلى نيويورك.. هل بقي للعرب موقف؟

إذا كانت إسرائيل لا تسمح حتى لوزراء خارجية عرب بزيارة رام الله، فكيف يمكن للعالم أن يثق بنيّتها في قبول دولة فلسطينية؟ وإذا كانت هذه اللجنة – التي تمثل دولًا بحجم السعودية وتركيا ومصر – تُمنع بهذه البساطة من الوصول إلى الأرض التي تدّعي دعمها، فما الذي تبقّى من هيبة القرار العربي؟

ما حدث السبت يجب ألا يمر مرور الكرام. فبينما تتجه الأنظار إلى مؤتمر نيويورك منتصف يونيو، يبدو أن المعركة الحقيقية ليست في أروقة الأمم المتحدة، بل في إرادة عربية تُقايَض على طاولات التطبيع والتواطؤ، في وقت يفرض فيه الاحتلال وقائعه على الأرض بالبندقية والمستوطنة والطائرة.

والسؤال الباقي: هل يُفلح العرب في استعادة إرادتهم السياسية قبل أن يتحولوا إلى شهود زور في جنازة القضية الفلسطينية؟

اقرأ أيضًا : الاحتلال يهدم في نور شمس ويُسرّع الاستيطان.. وعباس يستمر في الخيانة