يواصل الاحتلال الإسرائيلي عدوانه الوحشي على قطاع غزة، مخلفًا حصيلة كارثية من الشهداء والجرحى، وسط انهيار متسارع للمنظومة الصحية في ظل الحصار والتجويع المتعمد. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة، السبت، ارتفاع عدد الشهداء منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 64,803 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 164,264 إصابة، في واحدة من أبشع موجات العنف الممنهجة التي يتعرض لها القطاع منذ عقود.
وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية فقط، وصلت إلى مستشفيات القطاع جثامين 47 شهيدًا وجراح 205 مصابين، معظمهم من النساء والأطفال، نتيجة القصف الإسرائيلي المكثف الذي يطال المناطق الغربية من مدينة غزة، بما في ذلك الأحياء السكنية والمنازل الآهلة بالمدنيين. وتؤكد الطواقم الطبية أن عددًا كبيرًا من الضحايا ما يزالون تحت أنقاض المنازل المدمرة أو في الطرقات، غير قادرين على الوصول إليهم بسبب استمرار القصف واستهداف سيارات الإسعاف والدفاع المدني.
ولا يقتصر القتل على قصف المنازل، بل يمتد إلى استهداف المدنيين خلال محاولاتهم الحصول على المساعدات الإنسانية، حيث أشارت الوزارة إلى أن ما وصل من شهداء المساعدات خلال الـ24 ساعة الماضية بلغ 5 شهداء و26 إصابة، ليرتفع إجمالي من قضوا أثناء محاولات الحصول على لقمة العيش إلى 2,484 شهيدًا وأكثر من 18,117 إصابة، في مشهد يجسد تعمّد الاحتلال تحويل الجوع نفسه إلى سلاح فتاك.

الموت جوعًا.. المجاعة تفتك بالأطفال والرضّع
بالتوازي مع القصف، تحصد المجاعة أرواح مزيد من المدنيين يومًا بعد يوم، لتضيف بعدًا جديدًا من الإبادة الصامتة التي يتعرض لها سكان غزة. فقد سجلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الأخيرة 7 حالات وفاة جديدة بسبب المجاعة وسوء التغذية، بينهم طفلان، لترتفع حصيلة من قضوا جوعًا إلى 420 شهيدًا، بينهم 145 طفلًا.
هذا الرقم الصادم لا يعكس فقط حجم الكارثة الإنسانية، بل يكشف كذلك عن سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال لتجويع السكان ودفعهم إلى الاستسلام، عبر حصار خانق يمنع دخول الغذاء والدواء، ويستهدف خطوط الإمداد ومراكز التوزيع، فضلًا عن استهداف المتجمعين حول شاحنات المساعدات. ويؤكد خبراء الأمم المتحدة أن التجويع المتعمّد يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، إلا أن الاحتلال يمضي في تنفيذه دون رادع، وسط صمت دولي مريب يرقى إلى التواطؤ.
وباتت مشاهد الأطفال الهزلى، الذين تتدلى عظامهم تحت جلودهم الرقيقة، صورة مأساوية متكررة في أروقة المستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل. ومعظم هؤلاء الأطفال يعانون من فقر دم حاد وضعف مناعي يجعلهم عرضة للموت حتى من نزلات البرد البسيطة، فيما الأمهات غير قادرات على إرضاع أطفالهن بفعل سوء التغذية الحاد الذي أصابهن بدورهن.
نزيف بلا دم.. المستشفيات تواجه نقصًا كارثيًا في وحدات الدم
في خضم هذه الكارثة، أطلقت وزارة الصحة في غزة نداءً عاجلًا محذّرة من نقص حاد وخطير في وحدات الدم ومكوناته في مستشفيات القطاع، وسط تراجع كبير في حملات التبرع نتيجة تفشي المجاعة وسوء التغذية، ما يعرض حياة آلاف الجرحى للخطر المباشر. وقالت الوزارة في بيان رسمي إن “بنوك الدم في المستشفيات تُعاني من نقص حاد وخطير في وحدات الدم ومكوناته، وإن نوعية الإصابات الخطيرة التي تصل إلى المستشفيات تتطلب كميات ضخمة من الدم لإنقاذ الحياة”.
وأشارت إلى أن الاحتياج اليومي من وحدات الدم ومكوناته يزيد عن 350 وحدة يوميًا، لكن مصادر التعزيز من التبرعات المجتمعية تراجعت بشدة بفعل سوء التغذية العام، إذ أصبح غالبية السكان غير مؤهلين صحيًا للتبرع بالدم. وناشدت الوزارة كافة الجهات المحلية والدولية بسرعة التدخل لتعزيز أرصدة الدم ومكوناته قبل انهيار المنظومة الصحية بالكامل، محذرة من أن استمرار النقص يعني موت المزيد من الجرحى على أسِرّة العمليات بسبب نزيف يمكن إنقاذه بجرعة دم واحدة.
إجرام ممنهج وصمت دولي مشين
تُظهر هذه المعطيات المروعة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بسفك الدماء بالقنابل، بل يلاحق الأرواح حتى داخل المستشفيات وعلى طوابير المساعدات، ويستخدم التجويع والمرض كأدوات قتل جماعي بطيء، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية واتفاقيات جنيف. فالحصار المحكم ومنع إدخال الغذاء والدواء والوقود واستهداف شبكات المياه والكهرباء، جميعها سياسات تستهدف المدنيين مباشرة وتؤدي إلى تدمير مقومات الحياة.
ويحذر محللون حقوقيون من أن استمرار هذا الوضع الكارثي دون تدخل دولي فاعل، سيحول غزة إلى مقبرة جماعية مفتوحة، مؤكدين أن العالم أمام اختبار أخلاقي وقانوني صارخ: فإما أن يتحرك لوقف الإبادة الجماعية، أو يتحمل وصمة التواطؤ التاريخي في جريمة القرن. وفي ظل هذا الصمت، يواصل الاحتلال قصفه وتجويعه حتى الرمق الأخير، ليكتب فصلًا جديدًا من فصول الإجرام الممنهج ضد شعب أعزل، يدفع ثمن حقه في الحياة بالدم والجوع معًا.
اقرأ أيضًا : نداء نسوي دولي لمقاطعة منتدى بالمغرب متهم بتبييض الجرائم الإسرائيلية