في خطوة تعكس تصاعد موجة الرفض الشعبي والحقوقي للتطبيع الثقافي مع الاحتلال الإسرائيلي، أطلقت ناشطات نسويات من المغرب وعدد من القارات (إفريقيا، أوروبا، أمريكا اللاتينية) نداءً دوليًا يدعو إلى مقاطعة منتدى “النساء من أجل السلام” المزمع عقده خلال الشهر الجاري بمدينة الصويرة المغربية، متهمات الجهة المنظمة بمحاولة تبييض جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين تحت ستار شعارات السلام وحقوق الإنسان.

 منتدى بواجهة إنسانية ومضمون استعماري

وفق البيان الذي أصدرته الناشطات، فإن الجهة المنظمة للمنتدى — التي تنتمي إلى حركة “محاربات من أجل السلام” — تعمل منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة على نشر دعاية مكثفة بخطاب إنساني زائف، يهدف إلى الدفاع عن الوضع الاستعماري القائم وتجميل صورة إسرائيل في وسائل الإعلام الغربية، لا سيما الفرنسية، عبر تهميش الأصوات المنددة بالإبادة الجماعية الجارية في غزة.

وأكدت الناشطات أن الحركة تحاول اختزال العنف البنيوي الإسرائيلي في كونه مجرد “سياسات حكومة نتنياهو”، دون أي مساءلة لجذور المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا استعماريًا إباديًا، وهو ما يمثل في نظرهن تواطؤًا واضحًا مع الاحتلال.

“فلسطين قضية نسوية”.. رفضٌ للسلام الزائف

وجاء في البيان أن الجهات النسوية الموقعة تعتبر النضال من أجل تحرير فلسطين جزءًا أصيلًا من النضال النسوي العالمي، وترفض أي حديث عن السلام لا يقترن بدعم صريح وواضح للمقاومة الفلسطينية. وأضافت الناشطات:

“لا سلام بدون عدالة، ولا عدالة بدون تحرير فلسطين”.

كما اتهمت الناشطات المنتدى بمحاولة “توظيف نضالات النساء لتبييض الجرائم التي ترتكبها الدولة الاستعمارية الإسرائيلية”، من خلال وضع الضحية والجلاد في كفة واحدة تحت شعارات إنسانية فضفاضة ومبهمة، بينما يتواصل القتل والدمار والتهجير الذي يمارسه جيش الاحتلال، والذي يؤثر بشكل خاص على النساء والأطفال في غزة والضفة الغربية.

علاقات مشبوهة مع اللوبي الإسرائيلي في فرنسا

وأشار البيان إلى أن الحركة المنظمة للمنتدى رافقت نوابًا فرنسيين إلى قمة للسلام في القدس نظمتها منظمات إسرائيلية غير حكومية، في وقت تم فيه منع دخول نواب فرنسيين وأوروبيين آخرين بسبب انتقادهم لسياسات حكومة نتنياهو.

وأوضح البيان أن القمة التي عُقدت بينما كان قطاع غزة يرزح تحت أزمة إنسانية حادة، استُخدمت للترويج لخطابات جوفاء عن “السلام”، شارك فيها شخصيات مثيرة للجدل مثل إيهود أولمرت (رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق الذي قاد الحرب على لبنان) وناصر القدوة، بينما اكتفى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برسالة فيديو تدعو للاعتراف بدولة فلسطينية “بشروط تجعلها فعليًا دولة تابعة”، حسب وصف البيان.

كما انتقدت الناشطات محاولة الحركة تسويق مسيرات في بيت جالا كرمز للتعايش والأمل، بينما تجاهلت أن الحكومة الإسرائيلية كانت قد أعلنت بالتوازي عن توسيع مستوطنات جديدة في المنطقة نفسها، ما يمثل تواطؤًا في التغطية على جرائم الاستيطان.

📢 مشاركة واسعة لمؤسسات نسوية مغربية ودولية

ضمّ البيان توقيعات منظمات نسوية بارزة، منها:

  • “نساء يهوديات نسويات مناهضات للاستعمار” من فرنسا
  • “تحالف النسويات الأمميات” من ألمانيا
  • “تنسيق المسيرة العالمية للنساء” من كوت ديفوار
  • و28 جمعية مغربية من بينها: “اتحاد العمل النسائي”، و”الجمعية المغربية لحقوق النساء”، و”مجموعة شابات من أجل الديمقراطية”.

وأكدت هذه المنظمات أن المنتدى ليس سوى غطاء لتطبيع ثقافي-نسوي مع الاحتلال الإسرائيلي في وقت تتصاعد فيه جرائم الإبادة الجماعية في غزة، ولا يمكن قبوله أو المشاركة فيه.

تطبيع رسمي مغربي متزامن مع المجازر في غزة

يأتي هذا الجدل في ظل استمرار النظام المغربي، بقيادة الملك محمد السادس وحكومته، في تعزيز علاقاته مع إسرائيل رغم المجازر الجارية في قطاع غزة. فمنذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، صعّد المغرب من وتيرة التطبيع عبر التعاون الأمني والعسكري والتجاري والسياحي مع دولة الاحتلال، وصولًا إلى استقبال وزراء إسرائيليين وتوقيع اتفاقات دفاعية مشتركة حتى خلال ذروة الحرب.

ويرى مراقبون أن تنظيم منتديات “سلام” في مدن مغربية كالصويرة بينما تحترق غزة يوميًا بالقصف، يمثل استفزازًا لمشاعر الشعوب العربية والإفريقية، ويعكس إصرار الرباط على تلميع صورة الاحتلال على حساب دماء الفلسطينيين، في وقت تُمنع فيه الأصوات الداعمة لفلسطين من التظاهر أو التعبير بحرية داخل المغرب.

خلاصة

يمثل النداء النسوي الدولي لمقاطعة المنتدى المزمع بالصويرة رسالة قوية ضد تبييض جرائم الاحتلال الإسرائيلي عبر مبادرات ظاهرها إنساني وباطنها تطبيعي. ويكشف في الوقت ذاته عن صراع سرديات بين نضال نسوي مناصر للتحرر الفلسطيني، وخطاب نسوي مفرغ يُستخدم لتلميع الاستعمار.

في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، تبدو هذه الحملة النسوية بمثابة صفعة لمحاولات النظام المغربي وحلفائه الغربيين تقديم إسرائيل كشريك سلام، وتأكيدًا أن أي حديث عن حقوق الإنسان والسلام يظل زائفًا إن لم يقترن بتحرير فلسطين بالكامل.

اقرأ أيضًا : نيبال على حافة الانفجار: احتجاجات دموية، انهيار سياسي، وهروب جماعي من السجون