في صفعة قانونية مدوية للاحتلال الإسرائيلي وحلفائه، رفضت القاضية الفيدرالية الأمريكية أناليسا توريس في محكمة مانهاتن دعوى قضائية رفعها عشرات الإسرائيليين ضد وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، اتهموها فيها بدعم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ماليًا ومساعدتها في تنفيذ عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
القرار الصادر جاء بمثابة تأكيد قانوني على الحصانة الكاملة التي تتمتع بها الوكالات الأممية، حيث أوضحت القاضية أن الأونروا ليست “كيانًا مستقلًا” كما حاول الادعاء الإسرائيلي تصويرها، بل هي جزء من منظومة الأمم المتحدة، وبالتالي فإنها تتمتع بالحصانة الكاملة من أي ملاحقة قضائية وفقًا للاتفاقيات الدولية.
واستندت القاضية توريس في قرارها إلى آراء قانونية صادرة عن الأمم المتحدة نفسها، أكدت فيها أن الوكالات الفرعية مثل الأونروا، رغم استقلالها التشغيلي، ليست خارج الإطار الأممي، بل تخضع لمجلس الجمعية العامة الذي يملك صلاحية تعديل أو إنهاء عملها. هذا القرار وضع حدًا لمحاولات الاحتلال تمرير رواية سياسية عبر القضاء الأمريكي، وتحويلها إلى أداة لتصفية حساباته مع الوكالة التي تشكّل رمزًا قانونيًا وتاريخيًا لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
حملة إسرائيلية منظمة لتشويه الأونروا وتفكيكها
منذ السابع من أكتوبر، كثّفت إسرائيل حملتها على وكالة الأونروا، متهمة إياها بأنها “ذراع إنسانية لحماس”، في إطار استراتيجية ممنهجة لتقويض شرعية الوكالة التي تمثل الشاهد الأممي الأهم على جريمة تهجير الفلسطينيين عام 1948.
لم يكن الادعاء المرفوض في نيويورك إلا حلقة جديدة من حملة سياسية متكاملة، شاركت فيها مؤسسات الاحتلال وأذرعه الإعلامية والأمنية، حيث نشر جهاز “الشاباك” في أكثر من تقرير داخلي توصيةً بـ”إغلاق الأونروا لأنها تشكل خطرًا على أمن إسرائيل”، بينما سعى الكنيست لتمرير مشاريع قوانين تصنفها “منظمة إرهابية” وتمنع عملها داخل الأراضي المحتلة.
وبالفعل، صادق الكنيست في وقت سابق على ثلاثة مشاريع قوانين تهدف إلى حظر عمل الأونروا وسحب الحصانة القانونية من موظفيها، في خطوة أثارت استنكارًا واسعًا من قبل منظمة التحرير الفلسطينية التي وصفت القرار بأنه “استهتار بالمجتمع الدولي”، فيما اعتبرته حماس “إجراءً باطلاً يستهدف طمس معالم القضية الفلسطينية”.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الأونروا تحديات مالية غير مسبوقة بعد أن علّقت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية تمويلها، استنادًا إلى مزاعم إسرائيلية بوجود موظفين متورطين في هجوم السابع من أكتوبر، وهي المزاعم التي لم تقدم إسرائيل أي دليل ملموس عليها، فيما نفتها الأمم المتحدة رسميًا وأعلنت فتح تحقيق مستقل لم يثبت أي من تلك الادعاءات حتى اليوم.
الاحتلال يسعى لطمس الشاهد التاريخي على نكبة فلسطين
يرى مراقبون أن الهجوم الإسرائيلي المتواصل على الأونروا ليس هدفه المالي أو الإداري فحسب، بل محاولة سياسية ممنهجة لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين. فوجود الوكالة منذ عام 1949 يعني بقاء ملف اللاجئين حيًا في الوعي الدولي والقانوني، وهو ما يزعج إسرائيل التي تعمل منذ سنوات على شطب حق العودة وإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني.
من هنا، فإن استهداف الأونروا يُعد استهدافًا لرمزية سياسية وتاريخية، وليس لمؤسسة إغاثية فقط. فخلال العدوان الأخير على غزة، تعرضت ثلث منشآت الأونروا للقصف وفق تصريحات نائبة المفوض العام “أنتونيا ماري دي ميو”، التي أكدت أن قوافل المساعدات الأممية تم استهدافها عمداً أثناء محاولتها الوصول إلى شمال غزة.
وأضافت دي ميو أن هناك “جهودًا إسرائيلية لتدمير الأساس القانوني الذي تقوم عليه الأونروا”، محذرة من أن تمرير القوانين التي يحاول الكنيست فرضها سيؤدي إلى “كارثة إنسانية غير مسبوقة في القطاع”.
هذا التصعيد يتزامن مع سياسة ممنهجة لإضعاف الوكالة ميدانيًا وإعلاميًا، عبر اتهام مدارسها بتخزين أسلحة أو استخدام منشآتها لأغراض عسكرية، وهي اتهامات نفتها بعثات الأمم المتحدة مرارًا. وفي الوقت نفسه، يسعى الاحتلال إلى خلق بدائل ميدانية للوكالة من خلال جمعيات إنسانية تتبع له، بهدف السيطرة على ملف اللاجئين في غزة والضفة الغربية.
القضاء الأمريكي يعرّي الأكاذيب الإسرائيلية
برفضها للدعوى، تكون القاضية الأمريكية أناليسا توريس قد وجهت رسالة قانونية وأخلاقية مزدوجة: الأولى تؤكد استقلالية مؤسسات الأمم المتحدة وحصانتها من التلاعب السياسي، والثانية تفضح محاولات إسرائيل تسويق أكاذيبها في المحافل القضائية الدولية بعد فشلها في إثبات مزاعمها أمام الرأي العام العالمي.
فهذا الحكم لا يحمي الأونروا فحسب، بل يضع حدًا لمحاولات تل أبيب استغلال القضاء الأمريكي لخدمة أجندتها السياسية، ويعيد التأكيد على أن الكفاح الفلسطيني الإنساني لا يمكن محوه عبر دعاوى كيدية.
الأونروا، التي تقدم خدماتها لأكثر من 5.9 ملايين لاجئ فلسطيني في غزة والضفة والأردن وسوريا ولبنان، تبقى اليوم رمزًا للشرعية الدولية وذاكرة للعدالة المؤجلة.
وفي المقابل، يبدو أن إسرائيل ستواصل هجماتها السياسية والإعلامية لتشويه الوكالة وتحميلها مسؤولية الجرائم التي ترتكبها هي في غزة، غير أن قرار المحكمة الأمريكية يعيد بعض التوازن الأخلاقي والقانوني في مواجهة هذا المسعى، ويؤكد أن العدالة، وإن تأخرت، لا تزال قادرة على فضح الكذب الإسرائيلي الممنهج.
خلاصة:
القضاء الأمريكي هذه المرة لم يخضع للابتزاز السياسي الإسرائيلي، بل احترم القانون الدولي ووقف إلى جانب الحقيقة. وفي وقتٍ تحاول فيه تل أبيب طمس الأونروا ودفن حق اللاجئين الفلسطينيين، أعاد حكم القاضية توريس التأكيد على أن القانون لا يُكتب في تل أبيب ولا يُملى من واشنطن، بل يُصاغ في ضمير العالم الحر الذي لا يزال يرى في الأونروا شاهدًا على النكبة، لا شريكًا فيها.
اقرأ أيضًا : عودة أنس حبيب للاعتصام أمام السفارة المصرية في أمستردام: صوت يلاحق نظام السيسي