في مشهد جديد من مشاهد المواجهة بين أصوات الحرية والأنظمة القمعية، عاد الناشط المصري أنس حبيب إلى الاعتصام أمام السفارة المصرية في العاصمة الهولندية أمستردام، بعد ساعات فقط من الإفراج عنه على يد الشرطة الهولندية التي اعتقلته أثناء بث مباشر سابق. لم يكن اعتقاله سوى محاولة جديدة لإسكاته، لكنه سرعان ما عاد أكثر إصرارًا، حاملاً رسالته الموجهة إلى نظام عبد الفتاح السيسي وإلى العالم: أن الصمت على حصار غزة وخيانة القاهرة للشعب الفلسطيني لن يمرّ دون مواجهة.
مبادرة “حصار السفارات”.. سلاح رمزي يوجع الأنظمة
أنس حبيب لم يخرج إلى الشارع بصفته ناشطًا فرديًا فحسب، بل بصفته صاحب مبادرة واسعة أطلق عليها اسم “حصار السفارات”. هذه المبادرة التي بدأت منذ استئناف الاحتلال الإسرائيلي حربه على غزة في مارس/آذار الماضي، سرعان ما تحولت إلى شبكة احتجاجات منتظمة أمام سفارات دول متهمة بالتواطؤ أو الصمت على الجرائم الإسرائيلية.
الاعتصام أمام السفارة المصرية لم يكن صدفة، بل هو رسالة مباشرة إلى نظام السيسي، الذي يسيطر على معبر رفح ويشارك -بصمته أو بتوقيعه على اتفاقيات الغاز- في استمرار الحصار. ففي الوقت الذي يعاني فيه أكثر من مليوني فلسطيني من نقص الغذاء والدواء والكهرباء، كانت القاهرة توقع صفقة غاز مع الاحتلال بقيمة 35 مليار دولار، وهو ما اعتبره أنس “طعنة في ظهر غزة”.
المبادرة التي يقودها حبيب تكتسب زخماً لأنها بسيطة من حيث الشكل، لكنها موجعة من حيث الرسالة: لا يمكن للسفارات أن تبقى في مأمن من الاحتجاجات بينما تتورط حكوماتها في حصار شعب بأكمله. إنها معركة رمزية لكن صداها واسع، وقد شهدت بالفعل توسعها في عدة عواصم أوروبية.
أنس حبيب.. كابوس النظام المصري في الخارج
أنس حبيب لم يعد مجرد ناشط معارض يعيش في المنفى، بل أصبح كابوسًا يطارد نظام السيسي خارج حدود مصر. فصوته الذي يعلو أمام السفارات، وبثه المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحوّلان كل اعتصام إلى منصة فضح عالمية للنظام.
النظام المصري، الذي يعتاد على السيطرة الكاملة داخل مصر عبر القمع والاعتقال وتكميم الأفواه، يواجه صعوبة في مواجهة ناشط مثل حبيب في أوروبا. محاولات موظفي السفارة المصرية منعه والاعتداء عليه، كما كشف بنفسه، تؤكد حالة الارتباك والخوف من أن تتحول هذه التحركات إلى قدوة لآخرين.
إن حضور أنس المستمر في المشهد يفضح ازدواجية خطاب النظام: فهو يقدّم نفسه كوسيط في القضية الفلسطينية، بينما يمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة. هو يظهر وكأنه حامي حدود مصر، بينما يوقع صفقات الغاز التي تصب في خزائن الاحتلال. هنا تكمن خطورة صوت أنس حبيب، لأنه يذكّر العالم بهذه التناقضات الفاضحة.
الاعتصام في سياق إنساني أكبر
اعتصام أنس لا ينفصل عن المأساة التي يعيشها قطاع غزة. فالأمم المتحدة أعلنت رسميًا وجود مجاعة في القطاع، والآلاف من المدنيين والأطفال يقضون تحت القصف والدمار. في هذا السياق، تصبح احتجاجات مثل التي يقودها حبيب صوت الضمير العالمي، إذ تنقل المعاناة من غزة إلى قلب أوروبا، وتجعل السفارات شريكة معنوية في هذه الجريمة بالصمت أو التواطؤ.
لقد تحوّل الاعتصام أمام السفارة المصرية إلى منصة تُظهر أن الصراع ليس فقط بين الاحتلال والفلسطينيين، بل أيضًا بين أنظمة عربية تخلت عن القضية، وشعوب ما زالت ترى في فلسطين قضية وجود. أنس حبيب هنا يجسد ذلك الفارق: فرد يواجه نظامًا بأكمله، لكنه يفعل ذلك بالثبات والإصرار، ما يضع النظام المصري في موقف دفاعي متكرر.
الخاتمة: الصوت الذي لا يمكن إسكاتُه
قد يعتقل أنس مجددًا، وقد يتعرض لمضايقات من السفارات أو حتى ضغوط سياسية، لكن الواضح أن صوته صار أكبر من محاولات إسكاتِه. مبادرة “حصار السفارات” التي يقودها ليست مجرد فعل احتجاجي عابر، بل هي رمزية ثورية تحمل رسائل متعددة: ضد الاحتلال، ضد التواطؤ العربي، وضد نظام السيسي الذي يعيش هاجس فقدان السيطرة على روايته أمام العالم.
لقد عاد أنس حبيب إلى التظاهر بعد الإفراج عنه، لا بصفته ناشطًا فقط، بل بصفته رمزًا لإصرار جيل جديد من المعارضين المصريين الذين لا يكتفون بانتقاد النظام من بعيد، بل يفضحونه أمام العالم في عقر دُوره الدبلوماسية. وهنا تكمن خطورة هذه التحركات بالنسبة للنظام: فهي ليست مجرد احتجاج، بل عملية فضح مستمرة تلاحقه حيثما وُجد.
اقرأ أيضًا . بن سلمان دمّر اقتصاد المملكة: السعودية تُعلن عن عجز قياسي يفوق التقديرات السابقة بأكثر من الضعف