في خطوة لافتة نحو العدالة الدولية، طلبت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب من قضاة التحقيق تحديد مكان الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، ضمن قائمة تضم 20 شخصية من نظامه، في إطار تحقيقات جارية بشأن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تعود جذورها إلى بداية الثورة السورية عام 2012. 

هذا الطلب القضائي يعيد إلى الواجهة النقاش الدولي حول الإفلات من العقاب، ويثير تساؤلات جدية حول فرص محاكمة رأس النظام السوري أمام المحاكم الأوروبية، بعد سنوات من الاتهامات والوثائق والأدلة.

أولاً: التحقيقات الفرنسية.. جراح مفتوحة منذ 2012

تستند التحقيقات الجارية إلى هجوم وقع في 21 فبراير/شباط 2012 في حي بابا عمرو بمدينة حمص، حيث قُتل الصحفيان ماري كولفان (بريطانية – أمريكية) وريمي أوشليك (فرنسي)، بعد قصف مركز إعلامي كان يؤوي صحفيين أجانب. وبحسب تحقيقات النيابة الفرنسية لمكافحة الإرهاب، فإن العملية لم تكن عرضية، بل تشير إلى “خطة عسكرية ممنهجة” لاستهداف الصحفيين بهدف منع نقل الحقيقة إلى العالم. وتمثل القضية، وفق مصادر قانونية فرنسية، نموذجاً لجريمة دولة ترتقي إلى مستوى الجريمة ضد الإنسانية، مع توفر قرائن تشير إلى موافقة القيادات العليا على تنفيذها.

وبحسب مصدر قضائي فرنسي، فإن القصف سبق اجتماعاً تنسيقياً لقادة القوات العسكرية والأمنية في حمص، شارك فيه عدد من كبار مسؤولي النظام. هذا ما دفع النيابة لطلب تحديد مكان الأسد وشخصيات بارزة، بينهم شقيقه ماهر الأسد قائد الفرقة الرابعة حينها، واللواء علي مملوك، والجنرال علي أيوب، واللواء رفيق شحادة، بوصفهم مسؤولين مباشرين أو مساهمين في اتخاذ القرار.

مذكرات التوقيف.. الأسد في مرمى العدالة الدولية

التحرك الجديد ليس معزولاً، بل يندرج ضمن سلسلة إجراءات قضائية فرنسية متصاعدة ضد بشار الأسد، الذي أصبح أول رئيس دولة تصدر بحقه مذكرة توقيف من القضاء الفرنسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بسبب هجمات كيميائية وقعت في عدرا ودوما والغوطة الشرقية عام 2013، أسفرت عن مجزرة راح ضحيتها أكثر من 1000 مدني، بينهم نساء وأطفال.

وفي يناير/كانون الثاني 2025، أصدر قضاة التحقيق مذكرة جديدة بحق الأسد، ما عزّز زخم الملف القضائي ضده. وبينما كان التركيز في البداية على قتل رعايا فرنسيين، توسع الملف لاحقاً ليشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يُعد سابقة مهمة من نوعها في القضاء الأوروبي تجاه رئيس لا يزال يتمتع بسلطة فعلية في بعض المناطق، رغم انهيار شرعيته الدولية.

المحاميان ماتيو باغار وماري دوزيه، الممثلان للصحفية الفرنسية إديت بوفييه التي أصيبت بجروح خطيرة خلال الهجوم، اعتبرا خطوة النيابة علامة فاصلة في ملاحقة جرائم النظام، داعيين لإصدار مذكرات توقيف جديدة بحق بشار الأسد والمحيطين به، كخطوة نحو كسر حلقة الإفلات من العقاب.

رمزية المحاكمة.. هل يُحاسب الأسد يوماً؟

يرى مراقبون أن التحرك القضائي الفرنسي يعبّر عن إرادة قانونية وأخلاقية أوروبية لمحاكمة المتورطين في جرائم كبرى بسوريا، رغم الصعوبات القانونية والدبلوماسية التي تفرضها الحصانة الرئاسية والواقع السياسي المعقد. لكن التطورات القضائية، بحسب الناشطة الحقوقية كليمانس بيكتارت، المحامية عن عائلة الصحفي ريمي أوشليك، تفتح المجال أمام تدويل القضية وربما إحالتها في المستقبل إلى المحكمة الجنائية الدولية، خاصة أن الجرائم تشمل مواطنين من دول أوروبية مختلفة.

ويؤكد مراقبون أن بشار الأسد بات مطاردًا بثلاثة ملفات كبيرة على الأقل في فرنسا:

  1. جريمة قتل صحفيين أجانب في بابا عمرو
  2. الهجمات الكيماوية في الغوطة ودوما.
  3. جرائم ضد الإنسانية شاملة تشمل القتل الممنهج والتعذيب والاختفاء القسري.

ومن الجدير بالذكر أن فرنسا فتحت تحقيقاً رسمياً منذ مارس/آذار 2012 في مقتل رعايا فرنسيين بسوريا، وتوسعت التحقيقات لاحقاً إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ما منح الملف ثقلاً قانونيًا إضافيًا، خصوصاً أن الدولة الفرنسية تعتبر من أكثر الدول نشاطًا في محاسبة مجرمي الحرب خارج حدودها، كما أظهرت قضايا رواندا، البوسنة، وأفغانستان.

خاتمة: طريق العدالة يبدأ من باريس؟

في الوقت الذي يعاني فيه السوريون من استمرار الإفلات من العقاب، يشكل تحرّك القضاء الفرنسي بصيص أمل في مساءلة نظام ارتكب واحدة من أبشع الجرائم ضد شعبه في العصر الحديث. فرغم أن محاكمة بشار الأسد نفسه قد تبدو صعبة من الناحية الواقعية في الوقت الراهن، فإن توثيق الجرائم وتحريك ملفات دولية ضده يقطع الطريق أمام أي محاولات لتبييض صورته، أو إعادة دمجه دوليًا دون حساب.

إن طلب النيابة الفرنسية تحديد مكان بشار الأسد ومن معه ليس مجرد إجراء قانوني، بل رسالة دولية واضحة: الجرائم لا تسقط بالتقادم، ومرتكبوها لن ينجوا إلى الأبد.

اقرأ أيضًا : بريطانيا تعتقل العشرات بتهمة دعم “فلسطين أكشن”