شهدت العاصمة البريطانية لندن، موجة اعتقالات جديدة طالت عشرات المتظاهرين المؤيدين لحركة “فلسطين أكشن”، في مشهد يعكس تصعيدًا أمنيًا متزايدًا ضد الحراك الداعم لفلسطين في البلاد. ووفقًا لما أعلنته شرطة لندن عبر منصاتها الرسمية، فقد تم توقيف 41 شخصًا بتهمة “إظهار الدعم لمنظمة محظورة”، بينما أُلقي القبض على شخص آخر بتهمة الاعتداء.
يأتي هذا بعد أسبوع واحد فقط من اعتقال 29 شخصًا في احتجاج مماثل، إضافة إلى اعتقالات أخرى في مدن مثل مانشستر وكارديف وأيرلندا الشمالية، ما يعكس حملة أمنية متزامنة مع قرار الحكومة تصنيف حركة “فلسطين أكشن” كمنظمة إرهابية.
اللافت أن هذه الاعتقالات لم تأتِ على خلفية أعمال عنف، بل استهدفت متظاهرين سلميين رفعوا لافتات كتب عليها “أنا ضد الإبادة الجماعية. وأدعم فلسطين أكشن”، وتجمعوا قرب تمثال الزعيم الراحل نيلسون مانديلا، رمز النضال ضد الفصل العنصري. هذه الصورة الرمزية زادت من حدة الجدل حول دوافع الاعتقالات وسياقها السياسي والأخلاقي، في وقت تشهد فيه إسرائيل اتهامات بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية.

من العصيان المدني إلى تصنيف “إرهاب”: قرار سياسي بامتياز
قرار حظر “فلسطين أكشن” بموجب تشريعات مكافحة الإرهاب أثار انتقادات واسعة من نشطاء حقوقيين ومؤسسات مدنية، اعتبرته “استخدامًا سياسيًا مفرطًا” لقوانين طُورت لمواجهة الجماعات المتطرفة، وليس لاستهداف حركات احتجاجية تتبنى العصيان المدني كأداة للمقاومة السلمية.
“فلسطين أكشن” تأسست عام 2020، واشتهرت بتنظيمها حملات جريئة ضد الشركات المتورطة في دعم الاحتلال الإسرائيلي، وعلى رأسها شركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية المتخصصة في تصنيع الطائرات والأسلحة المستخدمة في قصف المدنيين الفلسطينيين، حسب تعبير الحركة.
وقد شملت تكتيكاتها رش واجهات المباني بالطلاء الأحمر رمزيًا لـ”دماء الفلسطينيين”، وتعطيل العمل داخل المصانع أو مكاتب الشركات الداعمة لإسرائيل. ومؤخرًا، اقتحم بعض أعضائها قاعدة لسلاح الجو الملكي وأتلفوا طائرتين، في تحرك رمزي لوقف الدعم العسكري البريطاني لإسرائيل. هذا الحادث كان على ما يبدو القشة التي قصمت ظهر الحكومة البريطانية، ودفعها إلى حظر الحركة بزعم تهديد الأمن العام.
إلا أن المعارضين يرون أن هذا الحظر يُعيد إلى الأذهان سياسات قمع النشطاء المناهضين للأبارتهايد في جنوب أفريقيا خلال القرن الماضي، وأن بريطانيا بتجريمها لهذه الحركة، لا تقمع الاحتجاج فقط، بل تختار بوضوح الوقوف في صف إسرائيل ضد القيم العالمية لحقوق الإنسان.
دعم الاحتلال الإسرائيلي: الدور البريطاني تحت المجهر
تكشف الاعتقالات الأخيرة، وكذلك قرار تصنيف “فلسطين أكشن” كمنظمة إرهابية، عن انحياز واضح من الحكومة البريطانية لصالح إسرائيل، وتورط مباشر في قمع الأصوات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني. بريطانيا، ومنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، لم تتخذ موقفًا حازمًا ضد الانتهاكات الإسرائيلية، بل استمرت في تزويد الاحتلال بمكونات عسكرية، بعضها يصنع في المصانع التي استهدفتها “فلسطين أكشن”.
كما تتهم منظمات حقوقية الحكومة البريطانية بالازدواجية في تطبيق معايير حقوق الإنسان، إذ تغض الطرف عن جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين في غزة، بينما تُسارع إلى تصنيف معارضي هذه الجرائم على أنهم إرهابيون.
وما يزيد المشهد قتامة هو تزامن هذه الإجراءات مع نظر محكمة العدل الدولية في لاهاي في قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل من قبل جنوب أفريقيا. وهو ما يجعل مواقف بريطانيا محط تساؤلات قانونية وأخلاقية دولية، خاصة أن الحراك الشعبي في بريطانيا يزداد تأييدًا للفلسطينيين، كما ظهر في التظاهرات الكبرى التي اجتاحت لندن ومانشستر خلال الأشهر الماضية.
ختام: هل تتحول بريطانيا إلى دولة قمع الحريات؟
إن ما يجري حاليًا في بريطانيا يتجاوز مسألة تنظيم حركة احتجاجية بعينها. فالمسألة تتعلق بجوهر حرية التعبير والحق في التظاهر، والقدرة على معارضة سياسات الدولة دون الخوف من الملاحقة الأمنية تحت مسميات فضفاضة كـ”مكافحة الإرهاب”.
تجريم “فلسطين أكشن” لا يُهدد الحركة فحسب، بل يرسل رسالة تحذير لكل من تسوّل له نفسه معارضة السياسات الغربية المتواطئة مع الاحتلال.
ومع تصاعد جرائم الحرب في غزة، يُطرح السؤال الأخطر: هل بات دعم العدالة للفلسطينيين يُعد تهديدًا أمنيًا في بريطانيا؟
وهل تنحاز الديمقراطيات العريقة إلى الاستبداد حين يكون الضحية فلسطينيًا والمجرم حليفًا استراتيجيًا؟
يبقى المشهد مفتوحًا، لكن المؤكد أن الحملة الأمنية على المؤيدين لفلسطين لن تُسكت الأصوات، بل قد تُلهب الشارع البريطاني وتعيد إنتاج نماذج من التضامن الشعبي العالمي، كما حدث في حقبة النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال