في تقرير جديد صادر عن منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أُطلقت صرخة تحذير مدوية بشأن انهيار منظومة العدالة في ليبيا، وفشل النظام القضائي في التحقيق الجاد بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية.

وسط هذا الانهيار، يبرز تورط قوى إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في تأجيج حالة عدم الاستقرار ودعم المليشيات التي تمزق البلاد وتحول دون أي مساءلة حقيقية.

بحسب التقرير الذي نُشر يوم الاثنين، فإن الانقسامات السياسية العميقة، واستمرار سيطرة الجماعات المسلحة، وتفكك مؤسسات الدولة، حوّلت ليبيا إلى بيئة يسودها الإفلات من العقاب، حيث لا يوجد أي ضمان لحقوق الضحايا، ولا أي أفق لتحقيق العدالة.

مليشيات خارج السيطرة.. الإمارات تعمّق الأزمة وتشل القضاء

أشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن المليشيات غير الخاضعة للمساءلة تُسيطر فعليًا على معظم مراكز الاحتجاز، في ظل غياب أي رقابة حقيقية من السلطات الرسمية التي تدّعي الإشراف على تلك المرافق. 

وبينما يُفترض أن تخضع هذه المراكز لرقابة وزارات الداخلية والعدل والدفاع، إلا أن الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا.

ويأتي ذلك في ظل دعم إماراتي مباشر لهذه الجماعات المسلحة، خصوصًا في شرق ليبيا، حيث دعمت أبو ظبي لسنوات طويلة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر بالمال والسلاح والتدريب، ما ساهم في تحويل جهاز القضاء إلى مجرد أداة بيد الفصائل العسكرية، بدلًا من أن يكون حصنًا لحماية الحقوق وسيادة القانون.

فقد أشارت تقارير سابقة للأمم المتحدة ومراكز أبحاث دولية إلى أن الإمارات زوّدت مليشيات حفتر بطائرات مسيرة وأسلحة ثقيلة، في تحدٍ صارخ لقرارات مجلس الأمن بشأن حظر السلاح المفروض على ليبيا، ما فاقم من حالة الانقسام، وأعاق الجهود الأممية لإعادة توحيد المؤسسات، وعلى رأسها السلطة القضائية.

تركة القذافي القمعية.. قوانين تعسفية تحكم المشهد القضائي

لفت تقرير “رايتس ووتش” إلى أن القانون الجنائي الليبي لا يزال يحمل ملامح الاستبداد الذي أسسه معمر القذافي، عبر تشريعات قمعية تعارض أبسط مبادئ القانون الدولي. هذه القوانين لا تجرّم الجرائم الدولية مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، ولا تضمن المحاكمة العادلة، ما يجعل أي جهود لتحقيق العدالة صورية أو فارغة من مضمونها.

وما يفاقم الأزمة أن المحاكم العسكرية، خاصة في الشرق، لا تزال تحاكم المدنيين تحت مسمى “قضايا الإرهاب”، وهو ما اعتبره التقرير خرقًا فادحًا للقانون الدولي الذي يمنع محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية. هذه الممارسات تعكس سيطرة الجماعات المسلحة على مسار العدالة، وتُظهر كيف يتم تسخير القضاء لخدمة أجندات سياسية وعسكرية.

سجون تعج بالعنف والتعذيب.. وقرارات المحاكم لا تُنفّذ

نقلت “رايتس ووتش” شهادات صادمة عن أوضاع المعتقلين في ليبيا، سواء من المواطنين أو من المهاجرين وطالبي اللجوء. وقالت إن السجون والمعتقلات منتشرة بشكل عشوائي وغير خاضعة للرقابة، وإن حالات التعذيب وسوء المعاملة والاكتظاظ تُعد ممارسات “واسعة الانتشار”، مؤكدة أنها موثّقة بشكل جيد من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية.

ورغم صدور أوامر إفراج قضائية عن بعض المعتقلين، فإن المليشيات المسلحة ترفض تنفيذها، في استهزاء كامل بسلطة القضاء، ما يجعل أي عملية قانونية بلا جدوى. هذه الانتهاكات، وفق التقرير، تُقوّض الثقة الكاملة بالقضاء، وتُبقي آلاف الليبيين وغير الليبيين رهن الاحتجاز التعسفي لسنوات طويلة دون تهم واضحة أو محاكمات نزيهة.

دعوة لإصلاح جذري بمشاركة المجتمع المدني

في ختام تقريرها، دعت “هيومن رايتس ووتش” السلطات الليبية إلى إجراء إصلاحات شاملة، تبدأ بإلغاء كافة القوانين التي تنتهك الدستور الليبي المؤقت والمواثيق الدولية. وطالبت بتحديث قانون العقوبات ليتضمن الجرائم الدولية الخطيرة، وبتفعيل مبدأ المحاكمات العادلة، وإنهاء المحاكمات العسكرية للمدنيين.

كما شددت المنظمة على ضرورة إشراك المجتمع المدني، والمنظمات المحلية، وخبراء القانون الدولي في أي عملية إصلاح قانوني، حتى لا تكون هذه الخطوات شكلية أو خاضعة لحسابات سياسية.

خاتمة: العدالة رهينة الفوضى الإقليمية والداخلية

تكشف أزمة القضاء في ليبيا عن عطب أعمق في بنية الدولة، حيث لا تزال العدالة رهينة للاعتبارات السياسية، والتدخلات الإقليمية، وعلى رأسها الدور التخريبي الذي تمارسه الإمارات. 

هذا الدور لا يقتصر على الدعم العسكري لحفتر، بل يمتد إلى هندسة حالة فوضى مؤسساتية تمنع بناء دولة القانون وتُبقي ليبيا أسيرة لدوامة العنف والانقسام.

وبينما يستمر المواطنون الليبيون والمهاجرون في معاناتهم داخل السجون، وتُغتال أحلام العدالة يومًا بعد يوم، لا يبدو أن هناك مخرجًا من هذا النفق إلا بإرادة وطنية حقيقية تقطع مع التدخلات الأجنبية وتُعيد بناء المؤسسات على أسس دستورية وديمقراطية. وإلا فإن الفوضى ستظل سيدة المشهد، والقضاء سيبقى مجرد صورة باهتة في بلد بلا قانون.

اقرأ أيضًا : بسبب دعم الإمارات للإسلاموفوبيا.. جريمة عنصرية جديدة في فرنسا تودي بحياة تونسي