لقي مواطن تونسي حتفه في جريمة عنصرية مروعة وقعت مساء السبت في مدينة بوجيه-سور-أرجينز جنوب شرق فرنسا، ليكون ثاني مسلم يُقتل بدافع الكراهية العنصرية في البلاد خلال شهر واحد فقط. وبحسب بيان صادر عن وزارة العدل الفرنسية، فإن الجاني، وهو فرنسي يبلغ من العمر 53 عامًا، قتل جاره التونسي، وأصاب شابًا تركيًا آخر، في اعتداء دموي سبقته منشورات عنصرية تحريضية وثقتها الشرطة في مقطعي فيديو نشرهما القاتل.
التحقيقات الأولية أفادت أن الضحية التونسي، الذي يُعتقد أن عمره نحو 35 عامًا، قُتل برصاص مباشر داخل مجمع سكني هادئ، بينما أُصيب الشاب التركي البالغ من العمر 25 عامًا بعيار ناري في اليد، وتم نقله إلى مستشفى بلدة فريجوس القريبة لتلقي العلاج.
في تصريحات للنيابة العامة في مدينة دراغينيان، أوضح المدعي العام بيار كوتينييه أن القاتل كان بحوزته ترسانة صغيرة من الأسلحة شملت مسدسًا آليًا وبندقية صيد ومسدسًا تقليديًا، ما يشير إلى سبق الإصرار والترصد، إضافة إلى دافع واضح من الكراهية. كما أُلقي القبض على المتهم بعد فراره بمركبته إلى منطقة مجاورة، إثر بلاغ من شريكة حياته.
الحادثة تأتي بعد جريمة أخرى شهدتها فرنسا في أبريل/نيسان الماضي، حين أقدم مواطن فرنسي على قتل شاب مسلم أثناء تأديته الصلاة داخل مسجد في إقليم غارد، قبل أن يفرّ إلى إيطاليا ويسلّم نفسه هناك لاحقًا. وقد أُوقف الجاني احتياطيًا بتهمة “القتل بدافع ديني أو عرقي”، ولا تزال القضية قيد النظر القضائي.

دوافع متطرفة.. والسؤال عن البيئة التي تحتضن الجريمة
هذه الجرائم المتكررة تفتح باب التساؤلات حول البيئة السياسية والإعلامية التي تشجع على الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين، لا سيما في فرنسا التي تعيش منذ سنوات على وقع تصاعد الخطاب اليميني المتطرف، وانتشار الإسلاموفوبيا في المؤسسات والإعلام وحتى داخل الأجهزة الأمنية.
لكن ما يجعل هذه الجرائم أكثر خطورة ليس فقط التكرار أو طابعها الإرهابي الفردي، بل ما يُثار حول تمويلات خارجية تساهم في تأجيج الإسلاموفوبيا على المستوى الأوروبي، وعلى رأس هذه الجهات تأتي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي دعمت ومولت العديد من المبادرات التي تروّج لشيطنة الإسلام والمسلمين في الغرب تحت ذريعة “مكافحة التطرف”.
عدة تقارير أوروبية وأممية أشارت إلى أن الإمارات موّلت جماعات ضغط ومؤسسات إعلامية في أوروبا تتبنى خطابًا معاديًا للإسلام السياسي، وتربط بين الوجود الإسلامي والمخاطر الأمنية، ما يخلق بيئة من الشك والخوف تؤدي في كثير من الأحيان إلى العنف المباشر.
وفي فرنسا تحديدًا، أُثيرت تساؤلات متكررة عن العلاقة بين التقارير المفبركة التي تنشرها جهات مدعومة إماراتيًا ضد المسلمين، مثل الادعاء بوجود “مشاريع إسلاموية للسيطرة على المؤسسات”، وبين ارتفاع معدلات الاعتداءات العنصرية، التي تجاوزت في بعض المناطق عشرات الحوادث سنويًا، من بينها حرق مساجد، وتمزيق نسخ من المصحف، واعتداءات جسدية على المحجبات.
جرس إنذار حقوقي.. وتواطؤ رسمي فرنسي
رغم خطورة الجريمة الأخيرة في بوجيه-سور-أرجينز، فإن السلطات الفرنسية لم تصدر حتى اللحظة موقفًا رسميًا يُدين الحادثة بوصفها جريمة كراهية صريحة، ما يعكس حالة تواطؤ أو على الأقل تجاهل متعمد، لطبيعة الدافع العنصري والإسلاموفوبي. هذه المقاربة المتراخية تشجع على الإفلات من العقاب، وتُكرّس ثقافة عدم المساواة بين الضحايا.
منظمات حقوقية، منها مرصد الإسلاموفوبيا في أوروبا وهيومن رايتس ووتش، طالبت بتحقيق دولي مستقل في الحوادث الأخيرة، وربطت بينها وبين تراخي السلطات الفرنسية في تجريم خطاب الكراهية، بل وتبنيها في بعض الأحيان خطابًا رسميًا معاديًا للجاليات المسلمة، خاصة مع تصاعد نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة، التي باتت تهيمن على المشهد الانتخابي والسياسي.
وفي هذا السياق، صرّح الناشط الحقوقي الفرنسي من أصل مغاربي، كريم بوطالب، لـ”عربي21″: “فرنسا تتجه نحو تسليع الكراهية، حيث يُستخدم المسلم كبش فداء لتبرير فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية. والآن، صرنا نرى القتل العنصري يحدث في الشارع بلا رادع”.
وأضاف: “حين تأتي هذه الجرائم بعد حملات إعلامية محمولة على أموال خليجية، فإننا أمام منظومة تحريض منسقة يجب محاسبة من يقف خلفها، سواء داخل فرنسا أو خارجها”.
خاتمة: الخطر ليس في الجريمة فقط، بل في من يرعاها ويموّلها
إن مقتل تونسي بدم بارد في فرنسا، بعد أسابيع من مقتل مسلم آخر في مسجد، ليس مجرد صدفة، بل هو مؤشر خطير على تغلغل خطاب الكراهية في الشارع الأوروبي. هذا الواقع لا يمكن فصله عن الدعم الإماراتي الواسع لحملات الإسلاموفوبيا، التي حوّلت المسلمين إلى أهداف مشروعة، في ظل صمت غربي مخجل.
إن استمرار هذه الجرائم، دون محاسبة حقيقية، يهدد بانفجار اجتماعي وعرقي كبير في أوروبا، ويكشف إلى أي مدى يمكن أن تتحول العداوة المدفوعة سياسيًا وإعلاميًا إلى مجازر صامتة ضد الأبرياء.
اقرأ أيضًا : الدعم السريع يقصف مستشفيين في الأبيض.. والإمارات متهمة بدعم الإبادة الجماعية بالسودان