لليلة الثانية على التوالي، شهدت مدينة القيروان وسط تونس اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن وشبان غاضبين، في مشهد يعكس حجم الاحتقان الاجتماعي والسياسي المتراكم في البلاد، بعد وفاة رجل إثر مطاردة أمنية انتهت باعتداء جسدي، بحسب رواية عائلته وشهود عيان. حادثة أعادت إلى الواجهة ملف العنف الأمني والإفلات من العقاب، وأشعلت غضب الشارع في واحدة من أقدم مدن تونس وأكثرها رمزية.

ونقلت وكالة “رويترز” عن شهود أن محتجين عمدوا إلى رشق قوات الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة وإشعال الإطارات المطاطية وإغلاق الطرقات، بينما ردّت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين. وأظهرت مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أحياء كاملة غارقة في الدخان والتوتر، في مشهد بات مألوفًا في تونس ما بعد 25 يوليو/تموز 2021.

وبحسب أقارب المتوفى، فإن الرجل كان يقود دراجة نارية دون رخصة عندما طاردته دورية أمنية، قبل أن يتعرض للضرب وينقل إلى المستشفى، الذي غادره لاحقًا، لكنه فارق الحياة بعد أيام متأثرًا بنزيف حاد في الرأس. رواية العائلة، التي لم تنفها السلطات حتى الآن، فجّرت موجة غضب شعبي، في ظل غياب أي توضيح رسمي أو إعلان فوري عن فتح تحقيق مستقل.

وعود التحقيق… سياسة امتصاص الغضب

في محاولة لاحتواء الاحتقان، زار والي القيروان منزل عائلة المتوفى وتعهد بفتح تحقيق وتحميل المسؤوليات. غير أن هذه الوعود باتت، في نظر كثير من التونسيين، مجرد آلية تقليدية لامتصاص الغضب الشعبي، سرعان ما تتلاشى دون محاسبة حقيقية، في سياق سياسي يضع الأجهزة الأمنية فوق المساءلة.

فمنذ أن أحكم الرئيس قيس سعيّد قبضته على مفاصل الدولة، توسّعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتقلّص هامش الرقابة القضائية والإعلامية، ما شجّع – وفق منظمات حقوقية – على تصاعد الانتهاكات، لا سيما ضد الفئات المهمّشة والشباب في المناطق الداخلية.

قيس سعيّد… من “أستاذ دستور” إلى راعٍ للقمع

الاشتباكات في القيروان لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي تعيشه تونس، حيث تحوّل خطاب “استعادة هيبة الدولة” الذي يرفعه قيس سعيّد إلى غطاء سياسي لتكريس القمع، وتبرير العنف الأمني، وتجريم الاحتجاج الاجتماعي.

فبدل معالجة الأسباب العميقة للاحتقان، من بطالة وفقر وتهميش وانسداد أفق سياسي، اختارت السلطة الرد بالغاز والعصي والملاحقات، في نهج يعيد إنتاج ممارسات الدولة البوليسية التي ثار عليها التونسيون في 2011.

وتتهم منظمات حقوقية محلية ودولية الرئيس التونسي باستخدام القضاء والأجهزة الأمنية كأدوات لإسكات منتقديه، وفرض واقع سياسي مغلق، تُدار فيه الدولة بالأوامر والمراسيم، لا بالمحاسبة والمؤسسات. ورغم نفي سعيّد المتكرر لهذه الاتهامات، إلا أن الوقائع على الأرض، من اعتقالات سياسية إلى محاكمات صحفيين وناشطين، تعزّز هذا الاتهام يومًا بعد يوم.

الخوف من اتساع رقعة الغضب

تتزامن أحداث القيروان مع استعداد البلاد لإحياء ذكرى ثورة 2011، ما يثير قلق السلطة من تحوّل الحادثة إلى شرارة احتجاجات أوسع، خاصة في ظل موجة إضرابات واحتجاجات اجتماعية تشهدها عدة مناطق.

ففي الأسابيع الماضية، خرج آلاف المحتجين في مدينة قابس جنوب البلاد للمطالبة بإغلاق مصنع كيميائي متهم بتلويث البيئة، كما دعا الاتحاد العام التونسي للشغل إلى إضراب وطني الشهر المقبل، احتجاجًا على السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

هذا التراكم الاحتجاجي يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشارع والسلطة، ويكشف أن القمع لم يعد قادرًا على كبح الغضب، بل صار عاملًا إضافيًا في تفجيره.

دولة بلا عدالة… ووصفة مؤكدة للانفجار

ما يجري في القيروان ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لمسار سياسي قائم على إلغاء السياسة، وتغليب القبضة الأمنية، وتكريس الإفلات من العقاب. فحين تُقتل العدالة، ويُكمّم الصوت، ويُعامل المواطن كمتهم دائم، يصبح الشارع هو ساحة التعبير الوحيدة.

وفي ظل إصرار قيس سعيّد على إدارة البلاد بعقلية الأمر الواقع، دون حوار وطني حقيقي أو إصلاحات سياسية واقتصادية جادة، تبدو تونس أقرب إلى انفجارات اجتماعية متكررة، قد تبدأ من القيروان، لكنها لا تنتهي عند حدودها.

اقرأ أيضًا :في ظل قمع قيس سعيّد المتصاعد… المرزوقي يدعو الشارع لإسقاط النظام واستعادة دولة القانون