في توقيت سياسي شديد الحساسية، ومع تصاعد الانتقادات المحلية والدولية لنهج الرئيس التونسي قيس سعيّد، أطلق الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي دعوة صريحة للنزول إلى الشارع والتظاهر من أجل إسقاط النظام القائم، ووقف ما وصفه بـ«العبث» الذي تعيشه البلاد، واستعادة دولة القانون والمؤسسات والمسار الديمقراطي الذي انحرفت عنه تونس منذ إجراءات 25 تموز/يوليو 2021.

وجاءت دعوة المرزوقي في مقطع فيديو نشره بالتزامن مع الذكرى الخامسة عشرة للثورة التونسية، حيث خاطب ما سماه «شعب المواطنين»، مؤكداً أن الأزمة التي تعيشها تونس ليست ظرفية ولا تقنية، بل هي أزمة نظام وحكم، نتجت عن تركيز السلطة بيد واحدة وتفكيك المؤسسات الدستورية والرقابية.

رهان على الشارع في مواجهة الاستبداد

قال المرزوقي في كلمته إنه «يراهن على ثورة شعب المواطنين»، معتبراً أن ما تشهده تونس اليوم من تدهور سياسي واقتصادي واجتماعي هو نتيجة مباشرة لإقصاء الإرادة الشعبية وتعطيل آليات الديمقراطية. وأضاف: «أدعو المواطنين إلى النزول إلى الشارع إلى أن يسقط النظام، ونعود إلى دولة القانون، ونفرض مسار الإصلاحات والديمقراطية التي ناضلنا من أجلها».

وتحمل هذه الدعوة دلالات سياسية عميقة، إذ تعكس قناعة لدى المرزوقي بأن المسارات القانونية والمؤسساتية لم تعد قادرة على تصحيح الانحراف القائم، في ظل هيمنة السلطة التنفيذية على القضاء، وتراجع الحريات، وتضييق الخناق على المعارضين والصحفيين والنشطاء.

سبعة شروط لاستعادة المسار الديمقراطي

وفي محاولة لتقديم رؤية متكاملة لما بعد إسقاط النظام، طرح المرزوقي سبعة شروط قال إنها ضرورية لإعادة بناء المسار الديمقراطي في تونس. وفي مقدمة هذه الشروط، دعا إلى «محاكمة كل من شارك في الانقلاب»، مشدداً على أن الهدف ليس الانتقام، بل ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب وجعل ما حدث «عبرة للتاريخ».

كما طالب بإلغاء جميع القوانين والمؤسسات التي نشأت في ظل المرحلة الاستثنائية، والعودة إلى «دستور الثورة» مع إمكانية تنقيحه، بما يضمن التوازن بين السلطات ويمنع عودة الاستبداد في أي شكل من الأشكال. وشملت مقترحاته أيضاً تنقيح القوانين الانتخابية والإعلامية، لضمان نزاهة العملية السياسية واستقلالية الإعلام.

وفي الشق المؤسساتي، دعا المرزوقي إلى انتخاب برلمان قوي لا يتجاوز عدد كتلته الحزبية حزبين أو ثلاثة، مع تعديل نظام انتخاب رئيس الجمهورية بحيث تصبح صلاحياته منبثقة عن البرلمان، وليس عبر انتخاب مباشر يعزز النزعة الفردية في الحكم. كما اقترح تشكيل حكومة مستقرة لمدة لا تقل عن خمس سنوات، تضم قوى سياسية وتكنوقراط، قادرة على تنفيذ إصلاحات عميقة بعيداً عن منطق الترقيع.

نقد الإقصاء والدعوة إلى تغيير العقليات

لم تقتصر رسالة المرزوقي على مهاجمة السلطة الحالية، بل وجه انتقادات واضحة إلى النخب والقوى السياسية التونسية، داعياً إياها إلى مراجعة مواقفها وتغيير عقلياتها، والتخلي عن منطق الإقصاء الذي ساهم، بحسبه، في إضعاف التجربة الديمقراطية.

واستخدم المرزوقي تشبيهاً لافتاً حين قال: «تونس مثل الشجرة، جذورها مجتمع محافظ مسلم، وفروعها تيارات علمانية وغيرها. من يحاول اقتلاع الجذور يفشل، ومن يحاول قطع الفروع يفشل»، في إشارة إلى ضرورة القبول بالتنوع السياسي والفكري كشرط أساسي للاستقرار.

قيس سعيّد بين القمع والعزلة

تأتي تصريحات المرزوقي في سياق يتسم بتصاعد القمع السياسي في تونس، حيث تشهد البلاد موجة من المحاكمات والأحكام القاسية بحق معارضين، من سياسيين وصحفيين ونشطاء. وكان المرزوقي نفسه قد صدر بحقه في حزيران/يونيو الماضي حكم غيابي بالسجن 22 عاماً، بتهم تتعلق بـ«الإرهاب»، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة سياسية أكثر منه إجراء قضائي.

وفي هذا السياق، سبق أن دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان السلطات التونسية إلى وقف جميع أشكال اضطهاد المعارضين السياسيين، واحترام الحق في حرية الرأي والتعبير، في إشارة واضحة إلى القلق الدولي المتزايد من مسار الحكم في عهد قيس سعيّد.

هل تستجيب الشوارع؟

تفتح دعوة المرزوقي الباب أمام تساؤلات جوهرية حول قدرة الشارع التونسي، المنهك اقتصادياً والمحبط سياسياً، على استعادة زخم الاحتجاج، وحول مدى استعداد القوى المعارضة لتوحيد صفوفها في مواجهة نظام يزداد تشدداً. وبين رهان المرزوقي على «ثورة المواطنين» وتمسك قيس سعيّد بخطاب «التطهير» وملاحقة الخصوم، تبدو تونس أمام مفترق طرق حاسم، قد يعيد رسم ملامح المشهد السياسي برمته.

اقرأ أيضًا : ميليشيا الانتقالي المدعومة إماراتيًا ترتكب مجزرة في حضرموت: 32 قتيلًا من الجيش اليمني