في خطوة تكشف عن عمق الأزمة التي يعيشها الاحتلال الإسرائيلي، صادق الكنيست مساء الأربعاء بالقراءة الأولى على مشروع قانون لإضافة نحو 31 مليار شيكل (9.23 مليارات دولار) إلى الموازنة العامة، موجهة بالدرجة الأولى إلى تمويل الحرب المستمرة على غزة والاستعداد لمواجهة محتملة مع إيران.
وجاءت هذه المصادقة في جلسة استثنائية خلال عطلة الكنيست الصيفية، وسط انقسامات سياسية حادة وتبادل للاتهامات بين مختلف الكتل.

صفقة سياسية على أنقاض الدماء: الحريديم يعودون إلى حضن نتنياهو
جاء تمرير مشروع القانون في إطار صفقة سياسية مثيرة للجدل بين حكومة بنيامين نتنياهو والحزبين الحريديين، “شاس” و”يهدوت هتوراه”، اللذين انسحبا في يوليو/تموز الماضي احتجاجاً على عدم تنفيذ نتنياهو وعده بتمرير قانون يُعفي طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.
وبموجب الصفقة، تغيب نواب “يهدوت هتوراه” (7 مقاعد) عن جلسة التصويت، فيما صوّت حزب “شاس” (11 مقعداً) لصالح المشروع، مقابل تعهد الحكومة بتحويل 80 مليون شيكل (24 مليون دولار) إضافية لوزارة الشؤون الدينية.
هذه الخطوة عكست -بحسب مراقبين إسرائيليين- استخدام دماء الفلسطينيين كعملة للمساومة السياسية الداخلية، إذ بات استمرار الحرب ذريعةً لتقوية الحلف الحكومي المتصدع، وتفادي سقوطه في خضم أزمات سياسية ومالية متلاحقة تهدد بانتخابات مبكرة.
أرقام فلكية وسط أزمة اقتصادية خانقة
التصويت على ضخ هذه المليارات جاء في ظل مؤشرات اقتصادية مقلقة؛ إذ وافق الكنيست بالتوازي على رفع سقف العجز من 4.9% إلى 5.2% من الناتج المحلي، ما يعني زيادة الاقتراض وسط تراجع ثقة الأسواق.
وكانت ميزانية عام 2025 قد أقرت في مارس الماضي بواقع 619 مليار شيكل (185.5 مليار دولار)، منها 110 مليارات شيكل (33 مليار دولار) لوزارة الأمن وحدها، إلا أن الجيش طالب مؤخرًا بزيادة 60 مليار شيكل (18 مليار دولار) إضافية، زاعمًا أن عمليتَي “مركبات جدعون” في غزة والحرب مع إيران في يونيو الماضي لم تُخصص لهما موازنات.
ويرى خبراء الاقتصاد في تل أبيب أن هذه السياسة ستفاقم أزمة الديون، خاصة أن العوائد الضريبية تراجعت بفعل شلل القطاعات الإنتاجية، فيما تواصل الحكومة الإنفاق المفرط على العمليات العسكرية التي لم تحقق أهدافها.
حرب بلا نهاية.. وفشل معلن
تبرر المؤسسة الأمنية هذه المليارات بأنها ضرورية لتجديد مخزونات الجيش التي شارفت على النفاد، من صواريخ “حيتس/السهم” إلى مئات المدرعات للجنود في غزة، لكن تقارير إعلامية إسرائيلية تناقض هذه المبررات.
ففي مطلع سبتمبر، كشفت القناة 12 العبرية وثيقة سرية للجيش الإسرائيلي تُقرّ بفشل عملية “عربات جدعون” في غزة (16 مايو – 6 أغسطس 2025) في تحقيق أهدافها المعلنة، رغم أنها واحدة من أكثر الحملات دموية منذ بدء الحرب، إذ خلّفت آلاف الضحايا المدنيين ودماراً واسعاً للبنية التحتية.
هذا الإقرار بالفشل يُبرز عبثية استمرار الحرب التي تلتهم الموازنات من دون أي أفق سياسي، ويعكس إصرار الحكومة على شراء الوقت السياسي بدماء الفلسطينيين وأموال دافعي الضرائب الإسرائيليين، في وقت تتآكل فيه ثقة الجمهور بالجيش والحكومة معًا.
شراء أسلحة مقابل دفن الحلول
تؤكد مصادر من داخل وزارة الحرب أن القسم الأكبر من التمويل الجديد سيوجه إلى صفقات تسليح عاجلة من الولايات المتحدة وأوروبا، تشمل ذخائر دقيقة وصواريخ دفاع جوي ومنظومات حماية للدبابات. ويرى محللون أن هذه الصفقات تعكس عقلية الهروب إلى الأمام بدل مراجعة السياسات الفاشلة، إذ تستنزف الحكومة الموارد في شراء مزيد من أدوات القتل بدل البحث عن حلول سياسية توقف نزيف الدم وتحدّ من عزلة “إسرائيل” الدولية المتفاقمة.
فعلى الرغم من المذابح المتواصلة في غزة والعدوانات المتكررة في لبنان وسوريا واليمن، فشلت تل أبيب في تحقيق الردع أو منع توسع المواجهة إلى جبهات جديدة، كما لم توقف المقاومة الفلسطينية عملياتها النوعية التي استنزفت قوات الاحتلال في عمق القطاع حتى اليوم.
خاتمة: حكومة تغذّي الحرب للهروب من السقوط
يُجمع مراقبون في الداخل الإسرائيلي على أن زيادة تمويل الحرب ليست استجابة لحاجة أمنية بقدر ما هي محاولة لبقاء نتنياهو في السلطة عبر إرضاء الحلفاء المتشددين، رغم فشل العمليات العسكرية وتصاعد الكلفة البشرية والسياسية.
فبدلاً من وقف الحرب وإعادة تقييم الاستراتيجية المنهارة، يصرّ نتنياهو على مراكمة الديون وتغذية آلة القتل، محولاً “إسرائيل” إلى دولة رهينة للحرب الدائمة، فيما تتسع دائرة الاحتجاجات الداخلية وتتعالى الأصوات المطالبة بإقالة الحكومة وفتح تحقيقات في إخفاقات الجيش.
وهكذا، يبدو أن الكنيست بتمريره هذه الحزمة المالية الضخمة منح تفويضاً مفتوحاً لمزيد من الدماء والدمار، في وقت بات فيه المجتمع الإسرائيلي ينزف اقتصادياً ومعنوياً، بينما الفلسطينيون يدفعون الثمن الأكبر من دمائهم ووجودهم، في حرب لا أفق لها سوى تأجيل سقوط حكومة فاشلة على أنقاض الضحايا.
اقرأ أيضًا : صفارات إنذار في القدس.. صاروخ من اليمن يكشف هشاشة الاحتلال