في مشهد أعاد التذكير بمدى اتساع رقعة المواجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي، دوّت صفارات الإنذار مساء الثلاثاء في القدس المحتلة وعدة مناطق بالضفة الغربية والبحر الميت، إثر إعلان جيش الاحتلال رصد صاروخ أطلق من اليمن، قبل أن يؤكد اعتراضه بنجاح عبر سلاح الجو.
ورغم إعلان “الاعتراض”، فإن حالة الهلع التي اجتاحت المستوطنين والإعلام العبري عكست حقيقة هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي باتت تواجه جبهات متعددة في وقت واحد.
![]()
صاروخ من اليمن يربك المنظومة الإسرائيلية
وفق بيان أولي للجيش الإسرائيلي، فإن الهجوم كان “قيد المراجعة”، مشيرًا إلى أن إطلاق الصاروخ ترافق مع تفعيل واسع للإنذارات في أنحاء متفرقة من البلاد. صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أكدت أن أصوات الإنذارات سُمعت في القدس، ما يعكس حجم الصدمة من وصول التهديدات إلى العمق الاستراتيجي للكيان.
وجاء هذا التطور بعد ساعات فقط من إعلان اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من اليمن باتجاه مدينة إيلات على البحر الأحمر، وقبلها بأقل من 24 ساعة أعلن جيش الاحتلال إسقاط ثلاث مسيّرات أخرى. هذا التتابع الزمني المتسارع يكشف عن استراتيجية جديدة تعتمدها جماعة الحوثي، تقوم على “الإرهاق المستمر” للقدرات الدفاعية الإسرائيلية.
الحوثيون: دعم غزة وتهديد الممرات البحرية
حتى لحظة وقوع الحادثة لم يصدر بيان رسمي من جماعة الحوثي، إلا أن الجماعة كانت قد أكدت في بيانات سابقة أنها ستواصل استهداف الاحتلال بالصواريخ والمسيّرات، إلى جانب فرض “حصار بحري” على السفن المتجهة إلى موانئه، حتى يتوقف العدوان على غزة وتُفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية.
الأسبوع الماضي، أعلنت الجماعة استهداف مطاري بن غوريون ورامون، إضافة إلى “هدف حساس” قرب ديمونا، ما يشير إلى أن نطاق أهدافها يتوسع بشكل تدريجي نحو مواقع أكثر رمزية وحساسية.
رد الاحتلال كان عبر غارات على العاصمة اليمنية صنعاء، أفضت في 28 أغسطس إلى اغتيال رئيس حكومة الحوثيين (غير المعترف بها دوليًا) أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه، في محاولة لإظهار الردع، لكن استمرار الضربات الحوثية يكشف محدودية هذا الخيار.
غزة.. جوهر المعادلة
الحوثيون يربطون هجماتهم بشكل مباشر بما يجري في قطاع غزة، حيث يصفونها بأنها “إسناد ودعم” للأهالي المحاصرين الذين يتعرضون منذ 7 أكتوبر 2023 لحرب إبادة إسرائيلية. وتشير آخر الإحصاءات الفلسطينية إلى استشهاد أكثر من 64,605 شخصًا وإصابة نحو 163,319 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى وفاة 399 شخصًا جوعًا بينهم 140 طفلًا.
هذه الأرقام الدامية جعلت خطاب الحوثيين أكثر حضورًا في الشارع العربي والإسلامي، حيث يُقدّمون أنفسهم كجزء من محور مقاومة يعمل على كسر الحصار، ليس فقط سياسيًا بل وعسكريًا عبر الضغط على الاحتلال في جبهات غير متوقعة.
هشاشة الاحتلال أمام “حرب الاستنزاف”
التطورات الأخيرة تكشف عن معضلة استراتيجية للاحتلال الإسرائيلي:
-
تعدد الجبهات: في الوقت الذي يواصل فيه عدوانه على غزة، يتعرض لضغوط متصاعدة من لبنان عبر حزب الله، ومن سوريا عبر ضربات متقطعة، والآن من اليمن.
-
تراجع الردع: إعلان الجيش اعتراض الصواريخ لا يُخفي حقيقة أن الإنذارات وصلت إلى القدس، عاصمة الكيان المزعومة، ما يكرس صورة “التهديد الوجودي” أمام المستوطنين.
-
الأعباء الاقتصادية والأمنية: كل عملية اعتراض تكلف الاحتلال ملايين الدولارات مقارنة بتكلفة زهيدة لإطلاق المسيّرات أو الصواريخ من اليمن، وهو ما يضع تل أبيب في معادلة “نزيف استنزاف” لا تستطيع تحمّله طويلًا.
- الضغط الشعبي والسياسي: صور المستوطنين وهم يهرعون إلى الملاجئ في القدس والبحر الميت، تزامنًا مع عجز الحكومة عن وقف الهجمات، تضع نتنياهو وائتلافه في مأزق داخلي متزايد.
قراءة في المستقبل
ما جرى مساء الثلاثاء لا يمكن النظر إليه كحادثة عابرة. فإطلاق صاروخ من اليمن وصولًا إلى سماء القدس يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى: هل باتت إسرائيل أمام جبهة رابعة لا تقل خطورة عن غزة ولبنان وسوريا؟ وهل تستطيع منظوماتها الدفاعية تحمّل حرب استنزاف طويلة الأمد، في ظل أزمة سياسية داخلية وتراجع في الثقة الشعبية؟
الأكيد أن استمرار هذا النمط من الهجمات يرسّخ صورة جديدة: الاحتلال ليس محصّنًا كما كان يزعم، وأي حرب تُخاض ضده لن تبقى محصورة جغرافيًا، بل قد تمتد إلى آلاف الكيلومترات، لتُربك حساباته وتضعه أمام “معضلة البقاء”.
🔹 خلاصة: صفارات الإنذار التي دوّت في القدس لم تكن مجرد إنذار أمني، بل رسالة سياسية وعسكرية مزدوجة: من اليمن إلى فلسطين، ومن غزة إلى العالم، أن الاحتلال الإسرائيلي بات هشًّا أمام موجة متصاعدة من التحديات العابرة للحدود، وأن زمن “الأمن المطلق” الذي تباهى به قد ولى إلى غير رجعة.
اقرأ أيضًا : استهداف أسطول الصمود بمسيّرة.. والسلطات التونسية في قفص الاتهام