في حلقة جديدة من مشاهد التعالي والغطرسة التي يقدّمها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، شنّ الأخير هجوماً لاذعاً على عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، بعد تصريحات الأخير التي تعهّد فيها بتطبيق مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو إذا وطأ أراضي المدينة. تصريحات أعادت فتح ملف الجرائم الواسعة التي ارتكبها الاحتلال في غزة، وجعلت من نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي ملاحق دولياً بتهم الإبادة وجرائم الحرب.
ورغم هذا المشهد القانوني والسياسي المتفاقم، ظهر نتنياهو متحدياً، قائلاً خلال مقابلة مع برنامج “منتدى ديلبوك” التابع لصحيفة نيويورك تايمز:
“بالطبع سآتي إلى نيويورك… لن يمنعني أحد”.
جملة حملت إصراراً واضحاً على تحدي المجتمع الدولي، والاستخفاف بجرائم الاحتلال، والالتفاف على المحاسبة.

نتنياهو يرد بغطرسة: الهجوم على ممداني وتجاهل المذكرة الدولية
منذ إعلان ممداني التزامه بتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، وجد نتنياهو نفسه في مأزق غير مسبوق: رئيس وزراء لدولة متهمة بالإبادة الجماعية، يخشى السفر إلى الدول الموقعة على نظام روما الأساسي. لذلك، حين صرّح ممداني بأنه — بصفته عمدة للمدينة — سيأمر بالقبض على نتنياهو إذا زار نيويورك، انفجر الأخير غاضباً.
وقال نتنياهو في المقابلة:
“لم تعجبني تصريحاته… سآتي إلى نيويورك بالضرورة رغماً عنه.”
لم يكتفِ بالهجوم الشخصي، بل حاول شيطنة العمدة المنتخب، واصفاً إياه بأنه جزء من “موجة تقدمية معادية” تستغل حرب غزة لخلق خطاب معادٍ لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. وهي محاولة مكشوفة لتصوير المقاومة الشعبية داخل الغرب باعتبارها “تهديداً للوجود الإسرائيلي”، في تكرار لروايته التي يروّج لها منذ سنوات.
تعليقات نتنياهو الأخيرة: إنكار للواقع وترويج لروايات مضلّلة
في المقابلة ذاتها، واصل نتنياهو نسج روايته حول غزة، قائلاً إن حلّ الدولتين غير ممكن لأن غزة — حسب زعمه — كانت “دولة فلسطينية” وانتهى الأمر بـ”أكبر مذبحة لليهود منذ الهولوكوست”.
هذا الكلام يعكس حالة إنكار كاملة، إذ يتجاهل أن غزة كانت محاصرة بالكامل منذ 2007، وتخضع لسيطرة الاحتلال الجوية والبحرية والحدودية، ولا تستوفي أي شرط من شروط الدولة المستقلة.
كما قال إن الطريق نحو “السلام” يمر عبر إسقاط حكم حماس، وإن دولاً إسلامية بعيدة لن توقّع اتفاق سلام مع الاحتلال ما دام “هذا الهراء” — في إشارة إلى ملاحقته الجنائية — يعرقل المشهد السياسي.
هذه الجملة تكشف بوضوح أن نتنياهو يرى العدالة الدولية هراءً، وأنه يعتبر الجرائم المرتكبة في غزة مجرد تفاصيل تعرقل مشروعه السياسي.
ادعاء وجود “قيادة فلسطينية جديدة”: صناعة وهم سياسي
في محاولة أخرى لصياغة واقع بديل، زعم نتنياهو أن هناك “قوى فلسطينية محلية” في غزة بدأت تتمرد على حماس.
وقال:
“هناك فلسطينيون في غزة يقاتلون حماس الآن… يريدون أن يكونوا أسياد مصيرهم.”
هذا الادعاء ينسجم مع خطة إسرائيل القديمة لخلق “قيادات بديلة” تدير غزة بعد الحرب، وهو طرح رفضته الفصائل الفلسطينية، والمنظمات الأهلية، ومعظم التحليلات العسكرية، التي تؤكد أن الاحتلال فشل في إيجاد أي بديل حقيقي على الأرض رغم محاولاته المتكررة.
العفو من هرتسوغ: خطوة يائسة للهروب من المحاكمة
أحد أكثر التصريحات لفتاً للانتباه كان حديث نتنياهو عن طلب العفو من الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ.
قال:
“منحي العفو ضروري لإسرائيل ولمستقبلها.”
بهذا، يعترف نتنياهو ضمناً بأنه يواجه تهماً خطيرة، وأنه يبحث عن مخرج سياسي داخل إسرائيل، بعدما بات عاجزاً عن ضمان حصانته عبر القضاء أو عبر تحالفاته الحزبية.
طلب العفو يؤكد كذلك أن قضية المحكمة الجنائية الدولية ليست مجرد “ضوضاء إعلامية”، بل تهديد حقيقي لحركته وسفره ومكانته السياسية.
الهجوم على حزب الله ولبنان: تصدير الأزمة للخارج
وفي سياق محاولة الظهور كـ”رجل الأمن القوي”، قال نتنياهو إن الجيش الإسرائيلي “قلّص قدرات حزب الله بشكل كبير” وإن هذه هي “أول فرصة للتغيير في لبنان منذ سنوات”.
هذه التصريحات تأتي في وقت تكشف تقارير غربية أن تل أبيب فشلت في تحقيق إنجازات حاسمة ضد حزب الله، وأن الجبهة الشمالية تحولت إلى ورقة ضغط جديدة على إسرائيل التي تخشى الانزلاق إلى حرب شاملة.
نيويورك… المدينة التي يخشاها نتنياهو ويصرّ على زيارتها
رغم تهديدات ممداني بالالتزام بمذكرة المحكمة الجنائية الدولية، يعرف نتنياهو أن نيويورك ليست جزءاً من النظام القضائي الدولي، وأن الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على قضاة المحكمة نفسها.
لكن زيارة نيويورك لها رمزية خاصة بالنسبة له:
- أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل.
- مقر الأمم المتحدة حيث اعتاد إلقاء خطاب سنوي.
- مدينة محورية في حملات العلاقات العامة الإسرائيلية.
لذلك، فإن إصراره على زيارة المدينة ليس مجرد قرار بروتوكولي، بل استعراض قوة في مواجهة محاولات ملاحقته قضائياً.
خلاصة: نتنياهو في مواجهة عالم يتغير… لكنه يصرّ على الهروب إلى الأمام
الهجوم على عمدة نيويورك المنتخب، والتهديد بالقدوم إلى المدينة “رغماً عنه”، يعكس حالة تخبّط يعيشها نتنياهو:
- ملاحقة دولية غير مسبوقة.
- عزلة متزايدة في الغرب.
- انتقادات داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها.
- غليان شعبي عالمي ضد حرب غزة.
ورغم كل هذا، يواصل الظهور بنفس لغة التحدي والإنكار، محاولاً تصدير صورة الزعيم الذي لا يهتز، بينما الواقع يكشف زعيم دولة متهمة بالإبادة، يركض بين العواصم بحثاً عن حصانة سياسية.
اقرأ أيضًا : مايكروسوفت في مرمى الاتهام.. شكوى أوروبية تتهم الشركة بالتستّر على جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين