مع بداية عام 2025، ظهر على منصة “فيسبوك” إعلان ممول بعنوان “الإجلاء الإنساني من قطاع غزة”، بدا في ظاهره كفرصة نادرة أمام المحاصرين للهروب من جحيم القصف والحصار.
الرابط حمل اسم مؤسسة تُدعى “المجد أوروبا”، قالت إنها مؤسسة ألمانية مقرها القدس في حي الشيخ جراح، وتعمل في “المجال الإنساني” منذ 2011. عدد قليل فقط من الفلسطينيين ضغطوا على الرابط وسجلوا أسماءهم، أملاً في الحصول على فرصة نجاة. وبعد أشهر من التسجيل، تلقوا رسائل عبر “واتساب” بأرقام إسرائيلية تؤكد الموافقة على سفرهم، مع وعود بإبلاغهم بوجهاتهم قريبًا.
وفي مايو من العام نفسه، تم تقسيم هؤلاء المسجلين، وعددهم 57 مواطناً فقط، إلى ثلاث وجهات: ماليزيا، إندونيسيا، وجنوب أفريقيا.
طُلب منهم التوجه إلى محطة دير البلح، حيث انتظرتهم حافلة أقلّتهم إلى مطار رامون في إيلات. هناك، ظهر شخص يمثل المؤسسة المزعومة وسلّمهم حجوزات فندقية مؤقتة في الدول المستضيفة.
الرحلة انطلقت في 27 مايو على متن طائرة رومانية متجهة إلى بودابست، قبل أن يتابع الركاب سفرهم نحو وجهاتهم النهائية. كانت هذه الرحلة، وفق التحقيق، الوحيدة التي نفذتها “المجد أوروبا” حتى اليوم.

مؤشرات الوهم.. موقع جديد وصور مزيفة
لكن خلف هذه القصة، بدأت الأسئلة تتكاثر: من هي هذه المؤسسة؟ ولماذا لم يسمع أحد بها من قبل؟ البحث قاد إلى مفاجأة مدوية: السجلات الرسمية الألمانية لا تحتوي أي مؤسسة مسجلة باسم “المجد أوروبا”. الموقع الإلكتروني نفسه لم يتجاوز عمره بضعة أشهر، بينما ادعى أنه يعمل منذ أكثر من عقد. الصور المنشورة على الموقع تبين أنها مسروقة من مستشفيات وجهات إغاثية أخرى، منها المستشفى الميداني الكويتي وصور قديمة لضحايا الزلازل في تركيا ولبنان.
حتى وجوه الموظفين وصور اللافتات كانت مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، والأسماء المرفقة ناقصة، تقتصر على الأسماء الأولى فقط. كل ذلك جعل المحقق يخلص إلى أن المؤسسة وهمية بالكامل، تستعمل أدوات التضليل البصري لإقناع الجمهور.
عندما تواصلت الصحفية مع رقم المؤسسة، وحاول الاستفسار عن طبيعة نشاطها ومقرها في الشيخ جراح، كانت الإجابات مراوغة وسطحية: “نقوم بأعمال إنسانية منذ 11 عامًا”، “نحاول زيادة عدد الدول المستقبلة للفلسطينيين”، قبل أن ينتهي الحوار بحظر رقمه نهائيًا.
شبكة أوسع.. شريك وهمي وواجهة إسرائيلية
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فالمؤسسة زعمت أن لديها شركاء من منظمات دولية، لكن التدقيق كشف أن ثلاثة من هذه الجهات لم تسمع بالمطلق عن التعاون المزعوم. الشريك الرابع كان كاشفًا للحقيقة: شركة تُدعى “تالنت جلوبس”، قُدمت على أنها مؤسسة لجمع التبرعات والتوظيف.
لكن هذه الشركة بدورها وهمية، إذ استُخدمت فيها صور موظفين مزيفة ومأخوذة من الإنترنت. الشخص الحقيقي الوحيد المرتبط بها يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والإستونية، وقد نشر بنفسه على موقع “لينكد إن” أنه ساهم في إجلاء فلسطينيين من غزة عبر شركته، واعتبرها “مبادرة خيرية”.
الغريب أن هذا الشخص معروف بتأسيس عشرات الشركات الورقية خلال سنوات قليلة، معظمها أُغلق بعد أقل من عام، ما يثير الشكوك حول نشاطه الحقيقي.
لعبة المال.. من المجانية إلى الابتزاز
في البداية، جرى الإجلاء دون أن يوقع المواطنون على أي أوراق تمنعهم من العودة، ولم تُطلب منهم مبالغ مالية.
لكن مع مرور الوقت، تحولت اللعبة إلى ابتزاز مباشر. فاليوم، وفق التحقيق، تطلب “المجد أوروبا” مبالغ تتراوح بين 1000 و2000 دولار مقابل تسجيل الأسماء. والأسوأ أن الضمانة الوحيدة التي يقدمها مسؤولوها للناس هي: “لقد أخرجنا طائرة بالفعل من غزة، وسنفعلها ثانية”.
هذا التلاعب النفسي يستغل حاجة الغزيين للخلاص، ليجعلهم بين خيارين: إما الدفع والرهان على الوهم، أو البقاء في الجحيم.
تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية أكد أن الطائرة الرومانية التي خرجت من رامون إلى بودابست نهاية مايو 2025 تم استئجارها بالكامل، ما يعزز الشكوك بأن الرحلة ربما كانت عملية وحيدة الهدف منها التغطية الإعلامية وإقناع الناس بواقعية المشروع، تمهيدًا لمرحلة جمع الأموال.
دلالات سياسية وأمنية
القضية تتجاوز حدود الاحتيال المالي. فهي تطرح أسئلة حول الجهة التي تقف خلف هذه المؤسسة الوهمية: هل هي مجرد شبكة نصب تبحث عن المال؟ أم أنها جزء من مشروع استخباراتي لإعادة توطين الفلسطينيين وإفراغ القطاع تدريجيًا من سكانه؟ وجود إسرائيليين في صلب هذه القصة، وربطها بمطار رامون ووجهات بعيدة في آسيا وأفريقيا، يفتح الباب أمام فرضية أن الأمر ليس عملًا فرديًا بل سياسة مُخطط لها بعناية.
خاتمة.. بين الخديعة والنجاة
الفيديو الذي كشف هذه التفاصيل لا يكتفي بسرد قصة احتيال عادية، بل يفضح لعبة أكبر تستغل المأساة الإنسانية في غزة لتعيد إنتاجها بوسائل “ناعمة”. الكاميرا هنا تحولت إلى سلاح، ليس لمجرد التوثيق، بل للتحذير والإنذار. والرسالة الأساسية واضحة: “المجد أوروبا” ليست مؤسسة إنسانية، بل واجهة وهمية، والرهان عليها مقامرة بالحياة نفسها.
في النهاية، يبقى القرار للفلسطيني المحاصر: هل يصدق الوهم ويخاطر بمستقبله، أم يتعامل بحذر ويرفض الوقوع في شبكة مصممة بعناية لتصطاد المستضعفين باسم الإنسانية؟
اقرأ أيضًا : صور الأقمار تكشف خطة نتنياهو لاحتلال غزة