في مشهد جديد يفضح وحشية الاحتلال الإسرائيلي ويكشف كيف تحوّلت الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة للعنف والإرهاب الاستيطاني، أُصيب أربعة متضامنين أجانب بجروح متفاوتة بعد هجوم مسلّح نفّذه مستوطنون ملثّمون على منزل كانوا يقيمون فيه قرب أريحا. 

الحادثة ليست مجرد اعتداء عابر، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم التي تُنفّذ وسط غطاء سياسي وأمني كامل من جيش الاحتلال، في محاولة واضحة لإسكات الأصوات الداعمة للفلسطينيين وترهيب كل من يقترب من فضح واقع الاحتلال.

اعتداء عنيف فجراً.. حين يصبح المتضامن هدفاً مباشراً

وقعت الجريمة قبيل الفجر داخل منزل بسيط كان يقيم فيه عدد من المتضامين الأجانب الذين حضروا للضفة الغربية لمساندة المزارعين وحماية الأهالي من اعتداءات المستوطنين. ما إن حلّ الظلام حتى وصل عشرات المستوطنين الملثمين، واقتحموا المكان بعنف، وبدأوا بالاعتداء على المتضامنين بالعصي والحجارة وأيديهم المجرّدة.

أُصيب أربعة منهم، بينهم ثلاثة إيطاليين ومتضامن كندي، بحالات وُصفت بالمتوسطة والخطيرة. لم يكتفِ المستوطنون بالضرب، بل سرقوا جوازات سفر الضحايا وهواتفهم المحمولة، في سلوك أقرب لعصابات منظمة منه إلى “مستوطنين” يدّعي الاحتلال أنهم مجرد “مدنيين”.

الجريمة كانت رسالة واضحة: أي صوت يقف ضد مشروع الاستيطان سيتم إسكاتُه بالقوة.

من حماية الفلسطينيين إلى التعرض للقتل

وجود المتضامنين الأجانب عادة ما يشكل عامل ردع في وجه المستوطنين، خاصة أثناء موسم الزيتون الذي يشهد سنوياً عشرات الاعتداءات. المتضامنون يرصدون الانتهاكات، ويوثقون الاعتداءات، وينقلون للعالم ما يحدث داخل الضفة.

لكن الاحتلال أدرك أن هؤلاء أصبحوا “كاميرات بشرية” تكشف السلوك الإجرامي للمستوطنين، فبدأ باستهدافهم بشكل مباشر، سواء باعتداءات جسدية أو ملاحقة قانونية أو طرد من المعابر. الجريمة الأخيرة تؤكد أن الاحتلال لم يعد يخشى ردود الفعل الغربية… بل يعتبر أن الوقت مناسب لإسكات الجميع.

فإذا كان هذا هو ما يفعله بالمواطن الفلسطيني يومياً، فهو الآن يوسّع دائرة العنف لتشمل الأجنبي أيضًا.

تواطؤ كامل من جيش الاحتلال.. المستوطنون يتحركون بلا رادع

السؤال الأهم الذي يطرحه الفلسطينيون والمتضامنون:
أين كان الجيش الإسرائيلي أثناء الاعتداء؟

الجواب معروف:
الجنود كانوا موجودين في محيط المنطقة، كما هي العادة، لكنهم لم يتدخلوا. بل إن روايات عديدة تؤكد أن جنود الاحتلال كثيراً ما يوفرون للمستوطنين الحماية خلال اقتحاماتهم.

المشهد يتكرر في مناطق عدة:

  • المستوطنون يعتدون

  • الجيش يشاهد

  • الضحية فلسطيني أو متضامن

  • والفاعل يخرج بلا محاسبة

هذه ليست فوضى.. بل سياسة ممنهجة تُدار من أعلى المستويات لخلق واقع ميداني عنوانه:
“الأرض للمستوطنين.. والخوف للفلسطينيين”.

اعتقالات ومداهمات متزامنة.. عقاب جماعي مُغطّى بالقانون

تزامناً مع الجريمة، شنّت قوات الاحتلال حملة مداهمات واسعة جنوب وغرب سلفيت، اقتحمت خلالها منازل المدنيين واعتقلت عدداً من الشبان بعد تقييدهم وتفتيش منازلهم بطريقة همجية. عمليات الاعتقال باتت جزءاً يومياً من حياة الفلسطيني، لكن اللافت أن الاحتلال يكثفها عادة بعد اعتداءات المستوطنين.

وكأن الاحتلال يريد أن يقول:
إذا اعتدى علينا المستوطنون، فالعقاب يُطبق على الفلسطينيين لا غيرهم.

لماذا هذا التصعيد الآن؟

التوقيت ليس عشوائياً. فلسطين تمر الآن بمرحلة خطيرة من إعادة تشكيل المشهد الديموغرافي عبر:

1. ترهيب الفلسطينيين في المناطق الريفية والبادية

المستوطنون يهاجمون المزارعين لإجبارهم على ترك أراضيهم في عين الديوك والأغوار وجنين وسلفيت.

2. استهداف المتضامنين الأجانب لإسكات رواياتهم

إصابة أربعة أجانب دفعة واحدة ليست مجرد جريمة، بل رسالة تهديد واضحة لكل ناشط دولي يفكر في القدوم.

3. إسناد سياسي من حكومة يمينية متطرفة

حكومة الاحتلال الحالية تعتمد على أحزاب استيطانية، تعتبر كل اعتداء على فلسطيني “عملاً وطنياً”، وغالباً ما تبرر هذه الجرائم بالقول إنها “دفاع عن النفس”.

جريمة مركّبة.. ليست اعتداءً فردياً

الاعتداء على المتضامنين ليس مجرد عنف جسدي، بل جريمة مركبة تشمل:

  • الترهيب والتهديد

  • الضرب المبرح

  • السرقة المتعمدة

  • الاعتداء على حرمة السكن

  • استهداف أجانب بغطاء رسمي

  • محاولة إخفاء الأدلة عبر سرقة الهواتف

كل عنصر من هذه العناصر ينتمي لقائمة طويلة من الجرائم التي ترقى إلى اعتداء على المدنيين في منطقة نزاع، وهو ما يشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي الإنساني.

المجتمع الدولي… الصمت الذي يسمح للجريمة أن تستمر

لو كان الضحايا فلسطينيين فقط، لاعتبر البعض الأمر “معتاداً”.
لكن أن تصل الاعتداءات إلى أجانب جاءوا لمساعدة الفلسطينيين، فهذا دليل قاطع على أن الاحتلال لم يعد يخشى أحداً.

جريمة كهذه كان يفترض أن تُحدث ضجة دبلوماسية، بيانات إدانة، تحركات، تحقيقات دولية… لكن العالم التزم الصمت.

الصمت الدولي هو السلاح الأقوى لدى الاحتلال.

ومادام هذا الصمت مستمراً، سيبقى الفلسطيني والمتضامن والأرض جميعاً هدفاً للإجرام المنظم.

خاتمة

ما حدث قرب أريحا هو دليل آخر على أنّ الاحتلال والمستوطنين يتحركون وفق استراتيجية واضحة:
ترهيب، إسكات، وفرض واقع بالقوة.

فالمتضامن الأجنبي الذي جاء ليحمي الفلسطيني أصبح هو نفسه هدفاً للضرب والسرقة والترهيب.
والفلسطيني الذي يعيش يومياً تحت عنف الاحتلال بات يرى أن العالم كله أصبح مكشوفاً أمام وحشية لا حدود لها.

هذه الحادثة ليست مجرد خبر… بل ناقوس خطر يعلن أن الضفة الغربية تدخل مرحلة أكثر شراسة، وأن الاحتلال يسعى لخلق بيئة لا صوت فيها يعلو فوق صوت الاستيطان.

ولو استمر الصمت، لن يتوقف هذا الإجرام… بل سيتمدّد أكثر وأكثر.

اقرأ أيضًا : ليبيا على حافة الهاوية.. والإمارات تقف وراء تفويض حفتر