لم تمضِ سوى أسابيع على الهدنة المؤقتة في قطاع غزة حتى اندلعت شرارة القصف الإسرائيلي مجددًا، في هجوم عنيف حصد أرواح المئات وأعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة الشارع العربي، وبقوة في المغرب.
فقد خرجت، منذ 18 مارس/آذار، مظاهرات حاشدة في عشرات المدن المغربية، من الرباط إلى مراكش، مطالبة بوقف العدوان، وإنهاء التطبيع مع إسرائيل، والتعبير عن التضامن الشعبي مع غزة المحاصرة.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه بعض الحكومات العربية الصمت أو المواقف الرمادية، يكسر الشعب المغربي حاجز الصمت بصرخات مدوية وهتافات غاضبة، تعيد إلى الأذهان نبض الشارع المغربي في سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية.
إذ لا يبدو أن الاحتجاجات هذه المرة مجرد غضب عابر، بل تمثل – بحسب مراقبين – لحظة فارقة في العلاقة بين الشارع المغربي وصنّاع القرار في ملف التطبيع والعلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي.
![]()
غضب شعبي عارم ورسائل واضحة للنظام
المسيرة الحاشدة التي جابت شوارع العاصمة الرباط مساء الجمعة 28 مارس/آذار، لم تكن مجرد مظاهرة موسمية، بل جاءت امتدادًا لسلسلة طويلة من الاحتجاجات التي تجتاح المدن المغربية الكبرى، على رأسها الدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش.
وأطلقت هذه المسيرات، التي دعت إليها جهات مدنية وسياسية من أبرزها “مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين” و”الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع”، رسائل مباشرة إلى النظام المغربي، بأن الموقف الشعبي يرفض الصمت الرسمي، ويعتبر التطبيع خيانة.
الهتافات التي صدحت أمام مبنى البرلمان لم تترك مجالًا للبس: “الشعب يريد إسقاط التطبيع”، “غزة تُباد”، “العار لمن صمت”، كلها شعارات تؤكد أن القضية الفلسطينية في الوجدان المغربي ما زالت حيّة، وأن الجماهير ترى في ما يحدث في غزة إبادة جماعية تستوجب موقفًا رسميًا حازمًا، لا بيانات إنشائية أو تحركات دبلوماسية شكلية.
كما اعتبر كثيرون من المشاركين في المسيرات أن التطبيع لا يمس فقط الكرامة العربية، بل يشكل خطرًا داخليًا على بنية المجتمع المغربي، لأنه – بحسب تعبيرهم – “يخترق النسيج الوطني ويفرض أجندات غريبة عن تاريخ ومواقف المغاربة”.
الأحزاب والمجتمع المدني: بين صمت رسمي وتضامن شعبي أصيل
رغم أن الحكومة المغربية لم تصدر موقفًا قويًا من العدوان الجديد، إلا أن شخصيات سياسية بارزة من المعارضة، مثل إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية، خرجت لتنتقد بقوة تقاعس الدول العربية والإسلامية، معتبرة أن الشعوب “تتقدم الصفوف بينما يتراجع الحكام”.
وعبّر الأزمي عن امتعاضه من تكرار السيناريو ذاته في كل عدوان على غزة، حيث تُعقد القمم، تُلقى الكلمات، ثم لا شيء يحدث.
هذا الصدع بين نبض الشارع وخطاب السلطة يزداد وضوحًا مع اتساع رقعة الاحتجاجات وتنامي دور المجتمع المدني، إذ تمكنت الحركات الداعمة لفلسطين من تنظيم أكثر من 100 مظاهرة في 54 مدينة مغربية في يوم واحد فقط، وفق الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة.
وتُعتبر هذه التعبئة دليلاً على أن القضية الفلسطينية ليست مسألة خارجية أو موسمية، بل متجذّرة في الوعي الجمعي المغربي.
وفي هذا السياق، جاءت كلمات عبد الحفيظ السريتي، منسق مجموعة العمل الوطنية، لتؤكد أن “المعركة ليست فقط من أجل فلسطين، بل من أجل الكرامة الوطنية والسيادة الشعبية، وأن دعم المقاومة هو واجب إنساني وأخلاقي قبل أن يكون سياسيا”.
تداعيات داخلية وخارجية… والتطبيع تحت المجهر من جديد
الاحتجاجات المتصاعدة في المغرب تضع اتفاقات التطبيع – التي وُقعت في ديسمبر 2020 ضمن “اتفاقات أبراهام” – تحت ضغط شعبي غير مسبوق، فالأحداث الجارية تُعيد فتح النقاش حول شرعية هذه الاتفاقات، وجدواها، ومستقبلها، خاصة في ظل تنامي مشاعر العداء الشعبي تجاه إسرائيل ورفض المغاربة لأي علاقات رسمية مع دولة تمارس “حرب إبادة” ضد المدنيين في غزة.
ومن اللافت أن هذه المواقف بدأت تُترجم إلى قرارات عملية، إذ نقلت القناة 12 الإسرائيلية أن يهودًا مغاربة ألغوا زياراتهم إلى مدن مثل مراكش والدار البيضاء لقضاء عيد الفصح، مفضلين البقاء في إسرائيل بسبب “الاحتجاجات العدائية” في المغرب، في مؤشر على أن هذه الاحتجاجات بدأت تؤثر على سمعة المغرب في الأوساط الإسرائيلية.
إلى جانب ذلك، تبدو دعوات حماس إلى جعل أيام الجمعة والسبت والأحد “أيام غضب” وكأنها تلقى صدى واضحًا في الشارع المغربي، الذي يتفاعل بقوة مع دعوات نصرة غزة والقدس، مما قد يدفع السلطات المغربية – تحت ضغط الشارع – إلى إعادة النظر في بعض سياساتها تجاه الاحتلال.
هل يعيد الشارع المغربي رسم معادلة التطبيع؟
الموجة الحالية من الاحتجاجات في المغرب تحمل في طياتها ما هو أعمق من مجرد تضامن موسمي، إنها تعبير عن أزمة هوية وموقف شعبي يبحث عن الانسجام مع المبادئ التي تربى عليها المغاربة في دعم قضايا التحرر، وعلى رأسها فلسطين.
ومع استمرار العدوان على غزة وتصاعد الجرائم الإسرائيلية، يبدو أن الشارع المغربي لن يصمت، بل سيواصل ضغطه حتى يتم إسقاط اتفاقيات التطبيع أو على الأقل تجميدها، مما يضع السلطات المغربية أمام مفترق طرق: إما الانحياز لإرادة الشعوب أو الاستمرار في صمت يُنظر إليه كخيانة تاريخية.
اقرأ أيضًا : “هيونداي” في مرمى الاتهام.. معدات كورية تدمّر منازل الفلسطينيين وتخدم نظام الأبارتهايد الإسرائيلي