في مشهد يختصر سنوات من الصبر والنضال، بدأت فجر اليوم الاثنين عملية إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، في تنفيذٍ دقيقٍ لبنود الاتفاق الذي وُقّع بوساطة أميركية، ويقوم على تبادل الأسرى ووقف الحرب وفتح المعابر. وأكدت وكالة رويترز، نقلاً عن مصدر مسؤول، أن جميع الأسرى الفلسطينيين البالغ عددهم 1966 أسيراً قد صعدوا بالفعل إلى الحافلات داخل السجون الإسرائيلية استعداداً للإفراج عنهم، في خطوة تُعد الأضخم منذ اتفاق أوسلو عام 1993.

أكبر عملية تبادل منذ عقود

بحسب المصدر الذي نقلت عنه رويترز، فإن من بين المفرج عنهم 1716 أسيراً من أبناء قطاع غزة، سيصلون إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، إضافة إلى 250 أسيراً من الضفة الغربية والقدس المحتلتين، وبينهم محكومون بالمؤبد، بينما سيُنقل عدد آخر إلى الخارج ضمن ترتيبات خاصة. وتأتي هذه العملية ضمن تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق “صفقة طوفان الأقصى لتبادل الأسرى”، الذي ينص على إطلاق سراح دفعات متتالية مقابل إفراج المقاومة عن 48 أسيراً إسرائيلياً محتجزين في غزة، منهم 20 أحياء وفق تقديرات الاحتلال.

وتُعد هذه الصفقة انعكاساً عملياً لتوازن الردع الجديد الذي فرضته المقاومة الفلسطينية بعد عامين من حرب الإبادة على القطاع، حيث استطاعت أن تفرض على إسرائيل لأول مرة في تاريخ الصراع اتفاقاً متكافئاً يتضمن بنوداً إنسانية وأمنية تضمن وقف الحرب وانسحاباً تدريجياً لجيش الاحتلال.

بين الأسر والحرية.. ذاكرة الجرح الفلسطيني

في السجون الإسرائيلية، يقبع أكثر من 11 ألف أسير فلسطيني، يعيشون في ظروف وصفتها تقارير حقوقية بأنها “تصل إلى مستوى التعذيب الممنهج”، من حرمان من الزيارات والعلاج إلى الإهمال الطبي وسوء التغذية والعزل الانفرادي. وقد وثقت منظمات فلسطينية ودولية مقتل عشرات الأسرى خلال العامين الماضيين نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، فيما يخوض المئات منهم معارك الأمعاء الخاوية رفضاً لسياسات الاحتلال.

لذلك، فإن مشهد صعود الأسرى إلى الحافلات اليوم لا يمثل مجرد انتقال جسدي من خلف القضبان إلى فضاء الحرية، بل هو رمزية كبرى لانتصار الإرادة الفلسطينية، ورسالة بأن المقاومة قادرة على تحويل الألم إلى إنجاز سياسي وإنساني. وقد عمّت المخيمات والمدن الفلسطينية مشاهد الفرح والدموع المختلطة، بينما انتشرت صور ذوي الأسرى وهم يتدافعون إلى شاشات التلفاز ينتظرون لحظة التعرف على وجوه أحبتهم بعد سنوات من الغياب.

خطة ترامب: مزيج من السياسة والأمن

يدخل هذا الإفراج في إطار خطة أوسع طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تضمنت وقف الحرب، انسحاباً متدرجاً للجيش الإسرائيلي من غزة، إطلاقاً متبادلاً للأسرى، ودخولاً فورياً للمساعدات الإنسانية إلى القطاع. ورغم أن كثيرين شككوا في جدية الخطة، فإن دخولها حيز التنفيذ الجمعة الماضية عند الساعة 12 ظهراً بتوقيت القدس أظهر أن المعادلة الجديدة في الميدان لم تعد تخضع للإملاءات الإسرائيلية وحدها، بل لتوازن قوى فرضته المقاومة على الأرض.

ويُعد نجاح تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بمثابة اختبار لجدية الأطراف في استكمال المراحل التالية، التي تشمل ملفات أكثر حساسية مثل إعادة الإعمار وعودة النازحين وضمان عدم تجدد العدوان. غير أن الجانب الإسرائيلي ما زال يواجه انقسامات داخلية، إذ تعارض بعض أوساط اليمين المتطرف فكرة الإفراج عن أسرى فلسطينيين “ذوي أحكام عالية”، في حين يرى آخرون أن استمرار احتجاز الأسرى الإسرائيليين في غزة يُعد خطراً سياسياً على الحكومة الحالية.

المقاومة تُوفي بوعدها

منذ إعلان الاتفاق، شددت فصائل المقاومة على أن الوفاء بالعهود هو جزء من “أخلاق المقاومة الفلسطينية”، مؤكدة أنها لن تسمح لأي جهة بإفشال الصفقة أو المساومة على حقوق الأسرى. وقد أوفت اليوم بوعدها، فأطلقت دفعة من الأسرى الإسرائيليين وفق الجدول الزمني المتفق عليه، بالتوازي مع الإفراج الإسرائيلي عن الأسرى الفلسطينيين.

هذا الالتزام يعزز صورة المقاومة كطرف منضبط يفي بتعهداته، في مقابل حكومة إسرائيلية متخبطة داخلياً، تواجه احتجاجات في الشارع واتّهامات بالتقصير والفشل السياسي والعسكري. ويؤكد مراقبون أن إدارة المقاومة للملف تعكس انتقالها من مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض الشروط، ليس فقط عبر الميدان، بل من خلال الدبلوماسية السياسية التي حشدت لها دعماً عربياً وإقليمياً واسعاً.

مشهد تاريخي وبداية جديدة

بين حافلات الأسرى المضيئة في عتمة الليل، ودموع الأمهات التي تختلط بزغاريد الحرية، يتشكل مشهد تاريخي لن ينساه الفلسطينيون. فبعد سنوات من القهر والعقاب الجماعي والحصار، يتحقق وعد المقاومة، لا كهدنة عابرة بل كبداية لمرحلة جديدة تُعيد للفلسطينيين شيئاً من كرامتهم المهدورة.

ومع دخول الحافلات إلى بوابات غزة والضفة، تنبعث من مكبرات الصوت أناشيد الفرح، وترتفع صور الشهداء إلى جانب صور الأسرى العائدين، في لوحة تختصر معنى الصمود الفلسطيني: وعدت المقاومة فأوفت، وأثبتت أن الإرادة حين تتسلح بالإيمان لا تُقهر، وأن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.

خلاصة تحليلية:

ما يجري اليوم لا يقتصر على تبادل للأسرى، بل هو تبادل للمعاني: الاحتلال يفرج مكرهاً عن من حاول كسرهم، والمقاومة تُعيد بناء الثقة بشعبها وبقدرتها على إدارة المعركة حتى في لحظة الهدوء. إنها لحظة نصرٍ رمزي تؤكد أن الصراع لم يعد على الأرض فقط، بل على من يملك القدرة على الحفاظ على كرامته، وسط عالمٍ يراهن على استسلام الفلسطينيين. لكن كما أثبتت الأيام، المقاومة وعدت — فأوفت.

اقرأ أيضًا : “مستعدون للقتال إذا استأنف الاحتلال الحرب”.. المقـ.ـاومة تؤكد ثباتها على المبدأ