في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الثقافية والإعلامية المصرية، أجرى عالم الآثار المصري زاهي حواس، وزير السياحة والآثار الأسبق والمقرّب من نظام عبد الفتاح السيسي، مقابلة مع قناة “كان” التابعة لهيئة البث الإسرائيلية، تحدث فيها عن افتتاح المتحف المصري الكبير، متجنّباً الرد بشكل مباشر على سؤال حول إمكانية زيارة الإسرائيليين للمتحف.

حواس، الذي وصف افتتاح المتحف بأنه “أهم حدث في العالم كله”، قال خلال اللقاء إن المتحف المصري الكبير “ليس مجرد متحف، بل مؤسسة ثقافية وسياحية وتعليمية متكاملة على أعلى مستوى”، مضيفاً أنه أقيم بجوار أهرامات الجيزة باعتبارها “إحدى عجائب الدنيا السبع”.

لكن المقطع الذي أثار الجدل لم يكن عن الأهرامات أو المتحف، بل عن لحظة سؤال المراسل الإسرائيلي له حول إمكانية زيارة الإسرائيليين للمتحف. عندها قال حواس بعبارة متحفظة: “هذا سؤال لا يُوجّه لي من فضلك، المتحف مفتوح لكل الناس في كل مكان في الدنيا”. هذه الإجابة، رغم ظاهرها الدبلوماسي، فُسّرت على نطاق واسع بأنها تجنّب مباشر لإدانة التطبيع، أو على الأقل محاولة لتفادي أي موقف قد يثير غضب السلطة التي تدير علاقات وثيقة مع تل أبيب منذ سنوات.

زاهي حواس بين الحنين للفرعونية والارتماء في أحضان السلطة

يُعرف حواس منذ سنوات بوصفه “الوجه الفرعوني للنظام المصري”، الذي تُستخدم شخصيته لإضفاء طابع حضاري على صورة النظام في الخارج. ومع كل مناسبة رسمية كبرى، يظهر الرجل في وسائل الإعلام بوصفه رمزاً لـ”مجد الفراعنة” و”تاريخ مصر العريق”، في مشهد يبدو متناسقاً مع سردية النظام حول “إحياء الحضارة المصرية”.

لكن مقابلته الأخيرة مع القناة الإسرائيلية كشفت جانباً آخر من الصورة، إذ رأى مراقبون أن ظهوره الإعلامي على شاشة إسرائيلية يأتي في إطار حملة التطبيع الثقافي التي يتبناها النظام المصري ضمن ما يُعرف بـ”السلام الدافئ”، وهو المفهوم الذي تسعى تل أبيب منذ سنوات إلى تكريسه في العلاقات مع الشعوب العربية بعد أن كان “السلام” مقتصراً على الحكومات.

ويرى محللون أن حواس لم يتصرف بمبادرة فردية، بل تحرك ضمن مناخ رسمي يرحب علناً بزيارات الوفود الإسرائيلية لمصر، وخاصة للمواقع الأثرية والسياحية. كما أن ردّه الملتبس على سؤال المراسل لم يكن نابعاً من حس وطني بقدر ما كان محاولة لتجنب انتقاد مباشر قد يُغضب دوائر في السلطة تربطها مصالح سياسية وأمنية واقتصادية متزايدة مع الاحتلال.

المتحف الكبير.. إنجاز أثري أم مشروع سياسي؟

في المقابل، لا يمكن فصل المقابلة عن سياق الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وهو المشروع الذي بدأ عام 2002 عندما وضع الرئيس الراحل حسني مبارك حجر الأساس له، قبل أن يتعثر لسنوات، ثم يستكمله نظام السيسي الذي قدّمه باعتباره “أعظم إنجاز حضاري في تاريخ مصر الحديث”.

وقد استغل النظام، وفق مراقبين، الحدث الثقافي الضخم لترويج سردية “مصر الحضارة والإنسانية”، في محاولة لتلميع صورته الخارجية بعد سنوات من القمع السياسي وتدهور الاقتصاد. وبحسب تصريحات رسمية، فإن المتحف الذي يقع على مساحة 500 ألف متر مربع بجوار أهرامات الجيزة، يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، ويُعد أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم.

غير أن الافتتاح الذي حضره عشرات الوفود الأجنبية، تضمن حضور شخصيات إسرائيلية رسمية وأخرى إعلامية، وهو ما فُسّر بأنه جزء من سياسة فتح المجال أمام التطبيع الثقافي الكامل مع الاحتلال، تحت شعار “الحوار الإنساني والحضاري”. في هذا السياق، يرى ناشطون أن ظهور حواس على قناة إسرائيلية ليس حادثاً عرضياً، بل خطوة محسوبة لإرسال رسالة مفادها أن “مصر الجديدة” تتعامل مع إسرائيل كـ”شريك طبيعي” في مجالات الثقافة والسياحة.

من جدل روغان إلى القنوات الإسرائيلية

ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها زاهي حواس الجدل. ففي مايو/أيار الماضي، أثار ظهوره في بودكاست “ذا جو روغان إكسبيريانس” الأمريكي موجة انتقادات واسعة بعد أن وصف مقدم البرنامج الحلقة بأنها “الأسوأ في تاريخ البودكاست”، متّهماً حواس بالتعالي ورفض النقاش.

لكن حواس ردّ قائلاً إن سبب التوتر كان رفضه الخوض في “نظريات المؤامرة” حول الأهرامات، متهماً روغان بالترويج لأفكار غير علمية. هذا الجدل كشف، من جهة أخرى، عن تحول حواس إلى شخصية مثيرة للاستقطاب: بين من يراه “مدافعاً شرساً عن التاريخ المصري”، ومن يعتبره “أداة دعائية للنظام” تستغلها السلطة في المحافل الدولية.

تطبيع ناعم وغياب الوعي الشعبي

تؤكد الحادثة الأخيرة أن التطبيع في مصر لم يعد سياسياً فقط، بل أصبح ثقافياً وإعلامياً تحت غطاء “التبادل الحضاري”. ففي الوقت الذي تتواصل فيه جرائم الاحتلال في غزة والضفة الغربية، يظهر مسؤولون ومثقفون مصريون في وسائل إعلام إسرائيلية، دون حرج أو محاسبة.

ويرى مراقبون أن هذا التطبيع “الناعم” أكثر خطورة من التطبيع الرسمي، لأنه يسعى إلى تمييع الوعي الشعبي وتغيير الموقف الثقافي والتاريخي من العدو. فحين يُقدَّم عالم آثار شهير كزاهي حواس في قناة إسرائيلية باعتباره “رمزاً للثقافة المصرية الحديثة”، فإن الرسالة التي تصل إلى المشاهد الإسرائيلي هي أن “مصر ما بعد السيسي” أصبحت جزءاً من منظومة قبول إسرائيل في المنطقة.

وفي المقابل، لم تُسجّل حتى الآن أي ردود رسمية أو توضيحات من وزارة السياحة أو المجلس الأعلى للآثار، ما يعزز الانطباع بأن الظهور لم يكن صدفة، بل خطوة مدروسة ضمن سياسة التطبيع الثقافي المتدرج التي تتبناها القاهرة منذ سنوات.

خاتمة: حين يتحول التاريخ إلى أداة تلميع

في النهاية، تبقى مقابلة زاهي حواس مع القناة الإسرائيلية مثالاً صارخاً على كيف يمكن للثقافة أن تُستخدم كأداة سياسية لتجميل وجه نظام متهم بالاستبداد داخلياً والتبعية خارجياً. فالمتحف الذي وُصف بأنه “هدية مصر للعالم” يتحول تدريجياً إلى منصة لترويج خطاب التطبيع وطمس الوعي الجمعي العربي تجاه الاحتلال.

ولعلّ أخطر ما في المشهد أن من كان يُفترض به أن يدافع عن هوية مصر التاريخية، أصبح اليوم واجهة لتطبيعها الحضاري مع عدوّها القديم، في وقت تُغلق فيه أفواه المثقفين الشرفاء، وتُفتح شاشات السلطة لمن يصفق للسلام الزائف.

اقرأ أيضًا : جرائم جديدة للاحتلال.. قصف إسرائيلي على خان يونس ونسف مبانٍ في البريج وغزة