في خرقٍ جديد لاتفاق وقف إطلاق النار، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم السبت، مناطق واسعة في جنوبي ووسط قطاع غزة، مستهدفة أحياء سكنية شرقي وشمالي مدينة خان يونس، ومخيم البريج وسط القطاع. وأفاد مراسل الجزيرة بأن المدفعية الإسرائيلية أطلقت عشرات القذائف في محيط خان يونس، تزامنًا مع غارات جوية شنها الطيران الحربي على أحياء شرقي المدينة، مما أسفر عن وقوع أضرار جسيمة في البنى التحتية والممتلكات، وسط أنباء عن إصابات بين المدنيين الذين كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم المدمرة لإخراج ما تبقى من متاعهم.
كما أطلقت طائرة استطلاع إسرائيلية من نوع “كواد كابتر” قنابل صغيرة على أطراف مخيم البريج، في الوقت الذي واصلت فيه الدبابات الإسرائيلية إطلاق النار بكثافة على محيط المدينة، فيما أكد شهود عيان أن قوات الاحتلال أقدمت على نسف عدد من المباني السكنية شرق المخيم. ويأتي هذا التصعيد في وقت تعيش فيه غزة مرحلة ما بعد حرب الإبادة التي استمرت عامين كاملين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي خلّفت أكثر من 68 ألف شهيد و170 ألف جريح، وفق إحصاءات الأمم المتحدة.

الاحتلال يواصل سياسة الأرض المحروقة رغم اتفاق ترامب للسلام
ورغم توقيع اتفاق “وقف النار وتبادل الأسرى” في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي جرى التوصل إليه بوساطة أميركية وفق خطة ترامب للسلام، فإن الجيش الإسرائيلي لا يزال يصر على تنفيذ عمليات قصف وتدمير ممنهج في غزة، متذرعًا بما يسميه “أنشطة مشبوهة للمقاومة”. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات تمثل استمرارًا لنهج “الإبادة البطيئة” التي تمارسها إسرائيل بعد فشلها في تحقيق أهدافها العسكرية خلال الحرب الأخيرة، والتي أدت إلى تدمير نحو 90% من البنى التحتية المدنية ودفعت الأمم المتحدة لتقدير تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار.
وتتهم منظمات حقوقية إسرائيلَ بارتكاب “جرائم حرب” و”تطهير جماعي”، خاصة بعد ظهور شهادات وتقارير طبية تثبت أن العديد من الجثامين التي سُلّمت مؤخرًا تحمل آثار تعذيب ميداني، وهو ما يثير مخاوف من أن الاحتلال لا يلتزم ببنود وقف النار ولا بأبسط القوانين الإنسانية. ويقول محللون إن ما يجري في خان يونس والبريج ليس مجرد خروقات أمنية، بل هو جزء من سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى إبقاء القطاع في حالة دمار دائم لإجهاض أي إمكانية لإعادة الحياة المدنية فيه، تحت ذرائع أمنية واهية.
جثث الأسرى تعيد الجدل حول مصداقية الاحتلال
وفي سياق موازٍ، أعلنت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش تسلم مساء الجمعة عبر الصليب الأحمر رفات ثلاثة أسرى إسرائيليين، نقلوا إلى معهد الطب الشرعي لفحص هوياتهم. وأشارت القناة 13 العبرية إلى أن حركة حماس أبلغت الصليب الأحمر أنها لا تعرف هوية هؤلاء، لكنها اقترحت أن تقوم إسرائيل بإجراء الفحوص اللازمة. وذكرت القناة أن الجيش الإسرائيلي يعتقد أن بعض الجثث الأخرى قد تُسلم قريبًا، بينما لا تزال أماكن دفن نحو خمسة أسرى مجهولة.
وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تسلم إسرائيل جثتي الأسيرين عميرام كوبر وساهر باروخ، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى، الذي تضمن حتى الآن إطلاق سراح 20 أسيرًا إسرائيليًا أحياء وتسليم رفات 19 آخرين. غير أن الاحتلال يربط التقدم في المرحلة الثانية من الاتفاق بتسلم بقية الجثث، في حين تؤكد حماس أن عمليات الانتشال تتأخر بسبب الدمار الهائل الناتج عن القصف الإسرائيلي المستمر.
في المقابل، لا تزال مأساة المفقودين الفلسطينيين تتفاقم، إذ يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وجود أكثر من 9500 مفقود تحت الأنقاض، بينما يقبع أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، يعانون من ظروف قاسية وتعذيب ممنهج، بحسب منظمات حقوقية. ويشير محللون إلى أن إسرائيل تستخدم ملف الأسرى كورقة ضغط سياسية وإعلامية لتبرير استمرار عدوانها وابتزاز الوسطاء، متجاهلة آلاف العائلات الفلسطينية التي تبحث منذ شهور عن جثامين أبنائها بين الركام.
غزة بين هدنة هشة واستمرار الجرائم
تُظهر الوقائع الميدانية أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتخلّ عن استراتيجيته العسكرية القائمة على التدمير الشامل، رغم ما يسميه التزامه بالهدنة. فالعمليات العسكرية في خان يونس والبريج وغزة تكشف عن رغبة واضحة في إبقاء حالة الفوضى والانهيار الإنساني، ضمن ما يسميه محللون “سياسة الردع المستمر” التي تتيح لتل أبيب التدخل عسكريًا متى شاءت بحجة “الأمن القومي”.
ويرى خبراء أن هذا النهج يعكس فشل إسرائيل في بناء أي رؤية سياسية بعد الحرب، وافتقارها إلى استراتيجية خروج واضحة من غزة، حيث باتت تمارس سلطتها الميدانية عبر القصف والنسف بدل الإدارة أو التفاوض. وفي الوقت نفسه، يواصل الجيش الإسرائيلي تقويض جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، ما يجعل المدنيين الفلسطينيين يدفعون ثمن كل جولة تصعيد جديدة.
وهكذا، وبينما تعلن إسرائيل عن استلام جثامين جديدة وتروّج لالتزامها الإنساني، تواصل في الميدان قصف المدن الفلسطينية، ونسف ما تبقى من البنية السكنية، في مشهد يعكس ازدواجية معاييرها وعمق مأزقها السياسي والأخلاقي في آن واحد.
خاتمة:
من خان يونس إلى البريج وغزة، تتجدد جرائم الاحتلال في ظل صمت دولي مريب وعجز أممي عن كبح جماح العدوان. وما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل حقيقي لوقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، فإن “وقف النار” سيظل مجرد هدنة شكلية تغطي على حرب مستمرة ضد الوجود الفلسطيني نفسه.
اقرأ أيضًا : نزوح جماعي في شمال كردفان.. السودان يغرق مجددًا في فوضى الدعم السريع