في تحذير جديد يعكس حجم الكارثة المستمرة، أعلنت وكالات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة، يوم الجمعة، أن نحو 30 مليون سوداني — أي ما يعادل ثلثي السكان — باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة للبقاء على قيد الحياة.
وفي ظل دخول الحرب في السودان عامها الثالث بسبب النظام الإماراتي، حذرت المنظمة من أن 25 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، وأكثر من 12 مليوناً شُرّدوا قسرًا داخل البلاد أو فروا منها.
لكن خلف هذه الكارثة المتفاقمة لا تقف فقط عوامل داخلية، بل تتداخل فيها أدوار قوى إقليمية ساهمت في صب الزيت على النار، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تُتهم بدعم ميليشيا قوات الدعم السريع المتورطة في مجازر ممنهجة وجرائم حرب، بحسب تقارير أممية وشهادات ميدانية.
هذا الدعم الإماراتي، المالي والعسكري، يُعد أحد أبرز العوامل التي أطالت أمد النزاع وزادت من فظاعاته.

كارثة إنسانية على كل المستويات: أرقام تنذر بالانهيار
خلال مؤتمر صحفي عُقد في جنيف، قال ممثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن حجم المأساة في السودان أصبح “خارج نطاق السيطرة”.
وأوضح أن اثنين من كل ثلاثة سودانيين باتوا في أمسّ الحاجة إلى مساعدات إنسانية، وسط شلل تام في مؤسسات الدولة، وتدمير للبنية التحتية، وغياب للأمن.
وأضاف المسؤول الأممي أن أكثر من 84 عامل إغاثة قتلوا أثناء أداء مهامهم في مناطق النزاع، وسط انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي.
وأشار إلى أن المدنيين وعمال الإغاثة يُقتلون دون أي مساءلة، في حين يتفشى العنف الجنسي “بصورة مرعبة”، في ظل انعدام تام للحماية أو الردع.
وما يزيد الصورة قتامة، هو أن البلاد تضم حاليًا أكثر من 12 مليون نازح — وهو واحد من أعلى أرقام النزوح الداخلي في العالم — مع استمرار إغلاق الطرق، وعرقلة وصول المساعدات، وتدمير المرافق الطبية.
الإمارات في قفص الاتهام: دعم مباشر للميليشيات ووقود لحرب دموية
وفي خلفية هذه المأساة المتصاعدة، تتوالى الاتهامات إلى النظام الإماراتي الذي، بحسب الحكومة السودانية وعدة تقارير حقوقية، يقدم دعماً عسكريًا وماليًا مباشراً إلى قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
هذا الدعم — الذي يتراوح بين الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة والمال — أسهم في تمكين الميليشيات من السيطرة على مناطق واسعة من البلاد وارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، خصوصًا في إقليم دارفور.
منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات حقوقية سودانية وثّقت ارتكاب قوات الدعم السريع وميليشيات عربية حليفة لها جرائم قتل جماعي، اغتصاب، إحراق قرى بأكملها، وتهجير جماعي لمئات الآلاف، لا سيما في ولاية غرب دارفور، حيث وُصفت بعض المجازر بأنها ترقى إلى جرائم إبادة جماعية.
وكانت الحكومة السودانية قد تقدمت، في مارس 2025، بدعوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، تتهم فيها دولة الإمارات بأنها “تواطأت في ارتكاب إبادة جماعية في السودان” من خلال دعمها العسكري والمالي لتلك الميليشيات الخارجة عن القانون.
الأمم المتحدة: العالم صامت عن الانتهاكات والفوضى تتحول إلى نمط دائم
في السياق ذاته، حمّل مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أطراف النزاع — دون استثناء — مسؤولية التدهور الحاصل في البلاد، لكنه خصّ المجتمع الدولي باللوم أيضًا، قائلاً: “التقاعس العالمي يشجع على الإفلات من العقاب، ويؤدي إلى تفشي الانتهاكات”.
وأكد تورك أن الصراع لم يعد مجرد نزاع على السلطة، بل أصبح مدفوعًا بمصالح اقتصادية ضخمة، بما في ذلك السيطرة على مناجم الذهب وطرق التجارة، وهو ما يعيد تسليط الضوء على الدور المشبوه للإمارات، التي تتهمها تقارير إعلامية بتهريب الذهب السوداني عبر شركات وهمية وشبكات تهريب عابرة للحدود، مما يغذي اقتصاد الحرب ويعزز تمويل الميليشيات.
وقال المسؤول الأممي إن “مرور عامين على الصراع في السودان يجب أن يكون جرس إنذار للأطراف لإلقاء أسلحتهم، وللمجتمع الدولي كي يتحرك”، مؤكدًا أن المسار الحالي يقود البلاد إلى “الدمار التام”.
النساء ضحايا مضاعفات للحرب: الاغتصاب كسلاح منهجي
من بين أكثر ما يثير الفزع في هذا التقرير الأممي، هو التوثيق الواسع لاستخدام العنف الجنسي كسلاح حرب من قِبل الميليشيات المسلحة.
حيث أكدت الأمم المتحدة أن النساء والفتيات في السودان تعرضن لحملة ممنهجة من الاغتصاب، الاغتصاب الجماعي، الاختطاف الجنسي، والاستغلال، منذ الأيام الأولى للصراع.
وتشير شهادات ميدانية إلى وجود معسكرات احتجاز غير رسمية تستخدم فيها الفتيات كعبيد جنس لدى عناصر الميليشيات، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقوانين الدولية.
هذه الانتهاكات لم تقابل بأي ردع جدي، ما يعكس مجددًا فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين في السودان.
نداء أخير: لوقف النزيف وإنقاذ ما تبقى
وجهت الأمم المتحدة نداءً عاجلاً إلى أطراف النزاع بوقف الهجمات على المدنيين، وضمان وصول آمن ومنتظم للمساعدات الإنسانية.
كما طالبت بمحاكمة مرتكبي الجرائم الجسيمة بحق المدنيين، وبحماية ودعم المنظمات المحلية التي تحاول توفير الإغاثة رغم ظروف الحرب.
وأكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية أن استمرار القتال وغياب المساءلة سيؤديان إلى “انهيار كامل لمقومات الدولة السودانية”، وحذّر من أن الأزمة قد تمتد إلى دول الجوار، مسببة موجات نزوح إقليمي جديدة ومخاطر على الأمن الإقليمي.
خاتمة: محاسبة المتورطين أولى خطوات الحل
ما كشفته الأمم المتحدة ليس مجرد تقرير آخر، بل هو نداء أخير قبل السقوط الكامل للسودان في هوة الانهيار الشامل.
في وقت تكتفي فيه معظم دول العالم بالمراقبة أو التورط بشكل غير مباشر، فإن دماء الأبرياء في السودان تُسفك يوميًا، ولا سيما على يد ميليشيات تغذت على دعم أنظمة إقليمية، وعلى رأسها الإمارات.
المأساة السودانية ليست قضاءً وقدرًا، بل نتيجة مباشرة لصمت العالم وتواطؤ بعض الأنظمة.
وإن لم يتحرك المجتمع الدولي الآن — وبقوة — لمحاسبة المتورطين، ووقف تدفق المال والسلاح إلى ميليشيات الإبادة، فإن السودان سيُصبح عنوانًا لفشل جديد في الضمير العالمي، ووصمة عار لا تُمحى.
اقرأ أيضًا : تمرّد من الداخل.. عرائض واحتجاجات إسرائيلية ضد حرب غزة تكشف تصدّع الجبهة الداخلية