منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان في أبريل 2023، تفجّرت واحدة من أشرس الصراعات المسلحة في القارة الإفريقية، بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وميليشيا الدعم السريع بزعامة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وبينما اتّخذت الحرب في بداياتها طابعًا سياسيًا-عسكريًا داخليًا، سرعان ما انكشفت أبعادها الإقليمية، مع ورود تقارير تؤكد تورط قوى خارجية في تأجيج النزاع.

وسط هذا التصعيد الدموي، شهد إقليم غرب دارفور مجازر مروعة استهدفت قبيلة المساليت ذات الأصول الإفريقية، وُصفت من قبل مسؤولين أمريكيين بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. 

قوات الدعم السريع وميليشيات عربية موالية لها نفّذت عمليات قتل جماعي واغتصاب وتهجير قسري، ما أسفر عن مقتل الآلاف وتشريد مئات الآلاف إلى تشاد المجاورة. 

في ظل هذه الفظائع، توجهت حكومة السودان بخطوة تاريخية نحو محكمة العدل الدولية، متهمة النظام الإماراتي، وتحديدًا النظام الحاكم بقيادة محمد بن زايد، بالتواطؤ المباشر في هذه الجرائم من خلال تقديم دعم عسكري وتمويلي لقوات الدعم السريع.

بن زايد في مرمى الاتهام: الدعم الإماراتي وملامح التورط

بحسب الدعوى التي تقدمت بها الخرطوم أمام محكمة العدل الدولية في 6 مارس 2025، فإن أبوظبي بقيادة محمد بن زايد لعبت دورًا محوريًا في تمكين قوات الدعم السريع من ارتكاب جرائم ترتقي للإبادة الجماعية.

وتستند الحكومة السودانية إلى أدلة تؤكد تزويد النظام الإماراتي لقوات حميدتي بالسلاح والمال والمعدات العسكرية، منذ اللحظات الأولى لنشوب الحرب، مما منح تلك القوات اليد الطولى في العمليات العسكرية خاصة في دارفور.

الأخطر في الدعوى السودانية، هو ما ورد من اتهامات مباشرة بمشاركة عناصر مسلحة مرتبطة بالإمارات ميدانيًا في المعارك، في إشارة إلى وجود مرتزقة أو مستشارين عسكريين إماراتيين عملوا بالتنسيق مع قوات الدعم السريع، وهو ما ينذر بإمكانية تحميل القيادة الإماراتية، وعلى رأسها محمد بن زايد، مسؤولية شخصية عن جرائم حرب.

ورغم نفي الإمارات الرسمي لتلك الاتهامات، فإن تقارير صحفية واستقصائية دولية، من بينها ما نشرته وكالة رويترز، تحدثت عن رحلات جوية غامضة من أبوظبي إلى قاعدة “أم جرس” في شرق تشاد، حيث يُعتقد أن طائرات الشحن الإماراتية نقلت صناديق يُشتبه أنها تحتوي على أسلحة وذخائر لصالح قوات الدعم السريع.

صور الأقمار الصناعية التي رصدت تواجد صناديق إماراتية الطراز على المدرجات أثارت الكثير من الجدل، في ظل تصاعد المجازر بدارفور في نفس الفترة.

غطاء دبلوماسي وإنساني… أم استراتيجية تبريرية ماكرة؟

في الوقت الذي واجهت فيه الإمارات اتهامات دامغة، تحركت أبوظبي بسرعة لتأطير القضية على أنها حملة دعائية مضادة، لم يكن الدفاع مقتصرًا على الدوائر القضائية، بل خاض النظام الإماراتي معركة إعلامية ودبلوماسية شرسة في محاولة لتقويض السردية السودانية. 

أنور قرقاش، مستشار محمد بن زايد، وصف الدعوى بأنها “لعبة سياسية” تهدف لتشويه سمعة “دولة صديقة”، المثير أن الخطاب الإعلامي الإماراتي تجنب الخوض في تفاصيل الأدلة، وركز على إظهار الإمارات كفاعل إنساني. 

تم تسليط الضوء على الجسر الجوي الإماراتي للمساعدات إلى تشاد، وبناء مستشفى ميداني، في مسعى لتجميل صورة أبوظبي أمام الرأي العام الدولي، وتغطية الدور المشبوه الذي لعبته خلف الكواليس.

غير أن الحقيقة الميدانية أكثر تعقيدًا، تقارير الأمم المتحدة ومنظمات مثل “هيومن رايتس ووتش” و”غلوبال ويتنس” تحدثت عن تدفق ذهب دارفور المنهوب إلى دبي، واستخدام عائداته في تمويل قوات الدعم السريع.

بمعنى آخر، لم تكتفِ الإمارات بالدعم العسكري، بل شاركت في دورة اقتصادية كاملة لتمكين التمرد، من خلال شراء الذهب السوداني غير الشرعي، وهو ما يجعل محمد بن زايد في موقع المساءلة الأخلاقية والجنائية.

معركة الاختصاص القضائي

في جلسة 10 أبريل 2025، يحاول فريق الدفاع الإماراتي الدفع بعدم اختصاص محكمة العدل الدولية بالنظر في القضية، مستندًا إلى تحفظ سابق أبدته الإمارات عند توقيعها على اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948.

هذا التحفظ يعفيها من الخضوع لأحكام المادة التاسعة التي تمنح المحكمة ولاية البت في النزاعات حول تفسير الاتفاقية.

لكن السودان يرى أن هذا التحفظ يتنافى مع روح الاتفاقية وغاياتها، خصوصًا أن المادة الأولى تلزم الدول الأطراف بمنع جريمة الإبادة ومعاقبة مرتكبيها. 

خبراء في القانون الدولي يشيرون إلى أن المحكمة سبق وأن قبلت تحفظات مشابهة (كما في قضية الكونغو ضد رواندا عام 2006)، ما يجعل احتمالات رفض الدعوى واردة. ومع ذلك، يراهن السودان على خلق سابقة قانونية جديدة بإبطال هذا النوع من التحفظات التي تُستخدم للتحصين ضد المساءلة.

وفي حال قبول المحكمة النظر في القضية مبدئيًا، فإنها قد تشرع في اتخاذ “تدابير مؤقتة” تمنع أي شكل من أشكال الدعم العسكري لقوات الدعم السريع، وتفتح المجال لمحاكمة النظام الإماراتي لاحقًا، وهو ما سيشكل ضربة قوية لهيبة محمد بن زايد دوليًا.

بن زايد وسياسات التدخل

القضية الراهنة في لاهاي لا يمكن فصلها عن السياسات الخارجية التي دشنها محمد بن زايد خلال العقد الأخير. فقد جعل من الإمارات لاعبًا إقليميًا يتدخل في بؤر النزاع من ليبيا إلى اليمن، ومن سوريا إلى القرن الإفريقي. 

في ليبيا، دعمت الإمارات قوات خليفة حفتر، وفي اليمن تدخلت ضمن التحالف العربي بقيادة السعودية، وامتد نفوذها إلى الموانئ والسواحل.

في السودان، تبنّت أبوظبي سياسة براغماتية بعد سقوط البشير، حيث دعمت المجلس العسكري الانتقالي، ثم تقرّبت من حميدتي، قائد الدعم السريع، الذي يمتلك قوات خاصة وموارد هائلة من مناجم الذهب.

ينظر النظام الإماراتي إلى حميدتي كحليف يمكن الوثوق به لتحقيق التوازن ضد النفوذ الإسلامي داخل الجيش السوداني، وهو العداء الذي يشكل عقيدة استراتيجية لدى محمد بن زايد، المعروف بخصومته الشديدة مع تيارات الإسلام السياسي.

وفي هذا السياق، فإن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع لم يكن مجرد انحياز عسكري، بل جزء من مشروع سياسي طويل الأمد لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤى أبوظبي الاستبدادية.

الضغوط والتحالفات: لعبة الإمارات خلف الكواليس

تحركات الإمارات لم تتوقف عند نفي الاتهامات، بل مارست نفوذها السياسي والمالي لحشد الدول ضد تحرك السودان القانوني.

تقارير صحفية أفادت بأن الإمارات استخدمت نفوذها في تشاد لتأمين خطوط إمداد لقوات الدعم السريع، وأنها مارست ضغوطًا على دول أفريقية لعدم الانضمام إلى صف الخرطوم.

كما لجأت أبوظبي إلى حلفائها في مجلس الأمن – مثل فرنسا والولايات المتحدة وروسيا – لضمان عدم صدور أي إدانة دولية. 

ويبدو أن واشنطن، رغم علمها بالدور الإماراتي، فضّلت الحفاظ على علاقتها الإستراتيجية مع أبوظبي، مكتفية بانتقادات خجولة.

في المقابل، أظهرت دول مثل قطر وتركيا مواقف أكثر انفتاحًا لدعم السودان، لكنها لم تذهب بعيدًا في دعم الدعوى القضائية، ربما لعدم رغبتها في الدخول في مواجهة مباشرة مع الإمارات.

ما الذي يمكن أن تؤول إليه المحاكمة؟

إن استمرار نظر الدعوى أمام محكمة العدل الدولية سيعتمد على قرار القضاة بشأن اختصاص المحكمة. 

في حال تخطي عقبة الاختصاص، ستُفتح أبواب المحاسبة على دعم النظام الإماراتي لأحد أطراف الصراع الأكثر وحشية في السودان. 

وإن ثبت تورط أبوظبي في تمكين جرائم الإبادة الجماعية، فإن محمد بن زايد نفسه سيكون في دائرة الإدانة الأخلاقية، إن لم تكن الجنائية، باعتباره الحاكم الفعلي وصاحب القرار الأول في السياسة الخارجية والعسكرية للدولة.

وفي حال إسقاط الدعوى قانونيًا، فسيُعد ذلك انتصارًا للمناورة القانونية والمال السياسي على حساب العدالة الدولية، وهو ما سيعزز شهية الأنظمة الاستبدادية للتدخل في نزاعات الدول الضعيفة دون خوف من المساءلة.

خاتمة: العدالة أم الإفلات من العقاب؟

تطرح محاكمة النظام الإماراتي في لاهاي أسئلة جوهرية حول مدى جدية المجتمع الدولي في التصدي لجرائم الإبادة والتدخلات العسكرية غير المشروعة. 

فإذا كانت دولة بحجم الإمارات، تقودها شخصية مثل محمد بن زايد، قادرة على تسليح ميليشيات متهمة بارتكاب إبادة دون أن تواجه محاسبة، فما هو مصير القانون الدولي؟ وما جدوى المعاهدات التي تُنتهك باسم المصالح السياسية؟

إن السودان – رغم أزماته الداخلية – اتخذ خطوة جريئة بوضع ملف الإبادة الجماعية في دارفور على طاولة القضاء الدولي.

لكن النجاح في هذه المعركة لن يُقاس فقط بالقرارات القضائية، بل بقدرة المجتمع الدولي على فضح الأنظمة التي تتاجر بدماء الأبرياء لتحقيق أهداف جيوسياسية.

اقرأ أيضًا : مفقودو الوجع السوداني: عائلات تُطارد مصير أبنائها في سجون الدعم السريع المدعومة من النظام الإماراتي