بين جدران البيوت السودانية المكلومة، يعيش آلاف الآباء والأمهات في دوامة من القلق والانتظار المرير، يطاردون أي خبر عن أبنائهم المختفين في سجون قوات الدعم السريع المدعومة من النظام الإماراتي.
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، تحوّلت العاصمة الخرطوم وسواها من المدن السودانية إلى ساحات مفتوحة للفوضى والانتهاكات، في ظل غياب الدولة وتغوّل الميليشيات المدعومة خارجيًا، وعلى رأسها قوات الدعم السريع التي مارست سياسات ممنهجة من الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري بحق المدنيين والعسكريين على حد سواء.
وسط هذه الفوضى، تتشبث العائلات السودانية بأمل ضعيف، باحثة عن صور أو أسماء، أو حتى شواهد قبور.

أسرى في الجحيم: شهادات من الداخل
مع كل تقدم يحرزه الجيش السوداني ميدانيًا، كما حصل مؤخرًا باستعادته السيطرة على مناطق حيوية في العاصمة، بينها جبل أولياء جنوب الخرطوم، تتكشف فصول مرعبة من معاناة الأسرى في مراكز احتجاز الدعم السريع.
مقاطع مصورة تداوَلها نشطاء وجنود، أظهرت مشاهد لأسرى محرَّرين في حالة بدنية ونفسية مروعة، وجوههم شاحبة، أجسادهم منهكة، وعيونهم تروي حكايات تعذيب وإهمال ممنهج.
تقارير محلية تحدّثت عن اكتشاف جثث متحللة في بعض مراكز الاحتجاز، ما يشير إلى أن عمليات القتل أو الإهمال الطبي لم تكن استثناءً، بل ممارسة يومية في تلك الزنازين.
مئات المدنيين، بينهم أطباء، مدرسون، وأئمة مساجد، اعتُقلوا في مناطق مثل سوبا والرياض بالخرطوم، وخضعوا لأبشع أنواع الإهانة والتجويع، في ظروف وُصفت بأنها “مزدرية ولا تصلح للبشر”.
ولم تكتفِ ميليشيا الدعم السريع بتعذيب الأسرى، بل شرعت في نقلهم من سجن سوبا إلى جبل أولياء تمهيدًا لنقلهم إلى دارفور، في ما بدا خطة لإخفائهم قسرًا أو استخدامهم كورقة ضغط في الصراع.
غير أن هذه الخطة تعطلت بفعل الهجوم المضاد الذي شنّه الجيش السوداني مؤخرًا، مما أتاح الفرصة لكشف بعض الحقائق وتوثيق الانتهاكات.
مأساة العائلات: صرخات بلا صدى
لا تقلّ مأساة عائلات المختفين قسرًا عن مأساة المحتجزين أنفسهم، إذ تعيش هذه الأسر في فراغٍ قاتل، بين أخبار متضاربة ومعلومات شحيحة.
ومن رحم هذا الألم، بدأت الأمهات والأشقاء بإنشاء صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، لنشر صور وأسماء المفقودين، والبحث عن أدنى معلومة قد تشير إلى مصير أحبّتهم، سواء أكانوا على قيد الحياة أو دفنوا في مقابر مجهولة.
أحد الآباء كتب: “أبحث عن ولدي منذ عام، لا أعرف إن كان حيًا يُعذب أم ميتًا يُنسى”. هذه الكلمات تختصر المشهد السوداني الراهن، حيث الدولة غائبة، والمجتمع الدولي يكتفي بالبيانات، بينما تلتهم الميليشيات حياة الأبرياء.
في تقرير صادر عن المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وُجهت اتهامات مباشرة لكل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني بممارسة الاعتقال التعسفي والتعذيب والاحتجاز غير القانوني.
وأورد التقرير أن عشرات الآلاف احتُجزوا دون تهم أو محاكمات، بمن فيهم نساء وأطفال، مع انقطاع تام عن العالم الخارجي.
شهادات ناجين من معتقلات الدعم السريع كشفت تفاصيل مرعبة عن الضرب المبرّح، ونقص الماء والطعام، وانعدام التهوية، وانهيار الرعاية الصحية، ما أدى إلى وفيات جماعية داخل السجون، دون إمكانية توثيق دقيق للأعداد.
بصمات أبوظبي الدامية: دعم إماراتي لتفكيك السودان
غير أن المأساة لا تقف عند حدود الداخل السوداني، فخلف ستار الحرب، يطلّ النظام الإماراتي بدورٍ قاتم لا يمكن إغفاله.
فقد وثّقت تقارير استخباراتية وإعلامية متطابقة أن أبوظبي كانت ولا تزال الداعم الرئيس لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
هذا الدعم شمل تزويدًا بالأسلحة، وتدريبًا عسكريًا، وتمويلًا ماليًا مباشرًا، ما ساهم في تعزيز قدرات الميليشيا وتحويلها إلى آلة قتل خارجة عن السيطرة.
مصادر دبلوماسية أكدت أن الإمارات عملت خلال السنوات الماضية على تحويل الدعم السريع إلى ذراع إقليمي خاص بها في إفريقيا، مستغلة حالة الضعف التي تعيشها الدولة السودانية.
وقد استخدمت أبوظبي مطاراتها وشركاتها لنقل العتاد والسلاح، بل ووفرت غطاءً دبلوماسيًا لقادة الدعم السريع في المحافل الدولية.
الهدف من هذا الدور التخريبي لم يكن سوى تقويض الانتقال الديمقراطي في السودان، ومنع أي إمكانية لظهور نظام وطني مستقل يُعيد للسودانيين كرامتهم ومواردهم.
إذ ترى النظام الإماراتي في أي نموذج ديمقراطي عربي تهديدًا مباشرًا لمشروعها السلطوي الإقليمي، لذلك لم تتردد في تمويل الحروب الأهلية ودعم الانقلابات، سواء في السودان أو ليبيا أو اليمن.
الإفلات من العقاب… إلى متى؟
رغم وضوح الأدلة وتكرار التقارير الأممية والحقوقية التي توثّق جرائم الدعم السريع وشركائه الإقليميين، إلا أن المجتمع الدولي يكتفي بالإدانة اللفظية، دون إجراءات فعلية تردع المجرمين أو تُنصف الضحايا.
فالمسؤولون عن التعذيب والقتل والإخفاء القسري لا يزالون أحرارًا، بل ويتنقلون بين عواصم عربية تحت حماية حلفائهم.
أما الأسر السودانية، فلا تزال تسير في دروب البحث، تحمل صور أبنائها في المظاهرات، وعلى الجدران، وفي شاشات الهواتف، تحلم فقط بجثمان، أو خبر، أو قبر يحمل اسمًا.
الحقيقة هي البداية
إن ما يجري في السودان ليس فقط حربًا على الأرض، بل أيضًا حرب على الحقيقة والعدالة. فمأساة الأسرى والمختفين ليست رقمًا في تقارير المنظمات، بل جراحًا مفتوحة في جسد أمة تُنهكها الخيانة والتدخلات الأجنبية.
ومع كل تقرير، وكل شهادة، تزداد الحاجة إلى تحقيق دولي نزيه ومستقل، يكشف تفاصيل الجرائم، ويحاسب الجناة، ويعيد لأمهات السودان حقّهن في العدالة.
لكن حتى ذلك الحين، سيظل الألم هو السيّد، وسيبقى الأمل في قلوب السودانيين هو آخر ما يمكن أن يُسلب.
اقرأ أيضًا : النظام الإماراتي: ماكينة تآمر وتضليل تعبث باستقرار الشعوب وتفرض شرعيتها بالقوة