في مشهد بات متكرراً يعكس وحشية الصراع في السودان، قُتل 12 مدنياً وأصيب 17 آخرون، جراء قصف مدفعي نفذته قوات الدعم السريع المدعومة من النظام الإماراتي على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وذلك في وقت حساس يتزامن مع نظر المحكمة الدولية في دعاوى تتهم أبوظبي بتمويل وتسليح الميليشيات المنخرطة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان.
ووفقاً لبيان صادر عن الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش السوداني، فقد استهدفت القذائف المدفعية الثقيلة أحياءً سكنية مكتظة بالسكان، مما أسفر عن سقوط ضحايا معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى دمار واسع في المنازل والممتلكات الخاصة.
وأشار البيان إلى أن جميع المصابين في حالة حرجة، في ظل عجز المستشفيات المحلية عن توفير العلاج اللازم بسبب النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، نتيجة الحرب المندلعة منذ أبريل 2023.
يأتي هذا الهجوم في وقت تعاني فيه الفاشر من وضع إنساني كارثي، حيث تراجعت الخدمات الأساسية، وتقطعت سبل الاتصال في العديد من الأحياء، بينما تعمل المرافق الطبية بأقل من نصف طاقتها. وتشير مصادر طبية محلية إلى أن الطواقم الصحية تواجه ضغطًا كبيرًا في ظل غياب الدعم الدولي وعرقلة إيصال المساعدات.

تصعيد عسكري يخفي خلفه ضغوطًا سياسية وإقليمية
يتزامن هذا التصعيد في الفاشر مع ما تقول القوات المسلحة السودانية إنه تقدم ميداني واسع النطاق في عدة جبهات، أبرزها العاصمة الخرطوم، حيث استعادت مؤخراً القصر الجمهوري وعدداً من الوزارات والمقار الأمنية والعسكرية، بما في ذلك المطار الدولي.
هذه النجاحات العسكرية دفعت قوات الدعم السريع المدعومة من النظام الإماراتي إلى تكثيف هجماتها العشوائية في مناطق سيطرتها المتبقية، كوسيلة لإظهار قدرتها على الرد وخلط الأوراق الميدانية.
وبحسب تقديرات عسكرية، تراجعت سيطرة الدعم السريع إلى أجزاء محدودة من ولايات شمال وغرب كردفان، بالإضافة إلى جيوب في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأربع ولايات من إقليم دارفور.
ويبدو أن هذه الخسائر دفعتها إلى اعتماد سياسة “الأرض المحروقة”، عبر استهداف المدنيين لإثارة الرعب وإجبار السكان على النزوح، ما يعيد للأذهان التكتيكات المستخدمة في الصراعات الأهلية التي شهدتها رواندا ويوغوسلافيا في تسعينيات القرن الماضي.
ومن المثير للانتباه أن هذا التصعيد جاء في نفس الأسبوع الذي بدأت فيه المحكمة الدولية النظر في دعاوى حقوقية ضد دولة الإمارات، تتهمها بدعم وتمويل ميليشيات الدعم السريع، وتوريد أسلحة وعتاد عسكري يُستخدم في قصف المدنيين وارتكاب جرائم تطهير عرقي، خاصة في إقليم دارفور الذي يشهد موجات جديدة من العنف الممنهج.
جرائم حرب واتهامات متزايدة للنظام الإماراتي
يُشار إلى أن الحرب السودانية الدائرة منذ أكثر من عام بين الجيش وقوات الدعم السريع قد أودت بحياة ما لا يقل عن 20 ألف شخص، بينما تشير تقارير أكاديمية من جامعات أمريكية مرموقة إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يصل إلى 130 ألف قتيل، معظمهم من المدنيين، في ظل استمرار القتال وتوسع رقعة النزوح التي بلغت نحو 15 مليون شخص وفقاً للأمم المتحدة.
ويواجه النظام الإماراتي اتهامات متزايدة من قبل منظمات حقوقية دولية بلعب دور مركزي في تغذية هذا الصراع، من خلال الدعم اللوجستي والتسليحي لقوات الدعم السريع، التي تُصنّف من قبل عدد من الجهات بأنها ميليشيا متورطة في جرائم ضد الإنسانية.
وتطالب منظمات حقوق الإنسان بفرض عقوبات دولية على أبوظبي وفتح تحقيقات شفافة حول تورطها في دعم أطراف النزاع.
وفي هذا السياق، أكدت جهات حقوقية أن قصف الفاشر يدخل في سياق نمط متكرر من الهجمات العشوائية التي تنفذها قوات الدعم السريع ضد مناطق مدنية، وهو ما يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ويؤسس لملاحقات قضائية ضد القادة العسكريين المتورطين ومن يدعمهم.
صراع يهدد بتكرار كارثة رواندا
إن ما جرى في الفاشر ليس مجرد حادثة معزولة، بل جزء من سلسلة من الهجمات المنظمة التي تستهدف المدنيين في السودان، وسط تصاعد الاتهامات الدولية لدول إقليمية بلعب دور مدمر في تأجيج الحرب، وفي مقدمتها دولة الإمارات.
وفي ظل التراخي الدولي وعدم وجود ردع فعال، يخشى كثيرون أن يتحول السودان إلى ساحة إبادة جماعية جديدة، يدفع ثمنها الأبرياء، ويكتب فيها التاريخ فصلًا آخر من الفشل الأخلاقي للمجتمع الدولي.
وفيما يستمر السودانيون في دفع ثمن حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تبقى الحاجة ماسة لتدخل دولي حاسم يضع حدًا لجرائم الحرب، ويحاسب كل من ساهم في تسليح الميليشيات، ومكّنها من تحويل السودان إلى ساحة دماء مفتوحة.