في تصريحات مثيرة للغضب ومشحونة بالتضليل، زعم مسؤول إماراتي بارز أن التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي قد “عاد بالنفع” على المسجد الأقصى المبارك، متجاهلاً اقتحامات المستوطنين، وتواطؤ سلطات الاحتلال، والدور الإماراتي المثير للجدل في شرعنة هذه الجرائم. 

علي راشد النعيمي، رئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية في المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، خرج في بودكاست إماراتي ليتحدث عن ما وصفه بـ”الجهود الاستراتيجية” لحماية الأقصى، بل وذهب أبعد من ذلك بادعاء أن التطبيع هو الوسيلة الفعالة لضمان سلامته!

لكن، لم تمضِ أيام على هذه التصريحات حتى شهد المسجد الأقصى واحدًا من أعنف اقتحاماته منذ احتلاله عام 1967، حين دهمه أكثر من ألفي مستوطن متطرف يقودهم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وسط صمت وتواطؤ دولي وعربي، وعلى رأسهم الدول المطبّعة.

التطبيع كأداة لـ”حماية الأقصى”.. كذبة سياسية مكشوفة

من خلال محاولة تسويق “منافع التطبيع”، أراد النعيمي قلب الحقائق وتقديم الإمارات كوسيط سلام يحمي المقدسات الإسلامية. 

فبحسب روايته، فإن بلاده تتواصل مع “حاخامات داعمين للسلام”، وتضغط على المسؤولين الإسرائيليين لمنع اقتحامات الأقصى، بل وتفاخر بما سماه “غرفة عمليات مشتركة” أنشأتها الإمارات مع قيادات دينية إسرائيلية خلال شهر رمضان، زاعماً أن ذلك أدى إلى “أجواء هادئة” في المسجد.

لكن الواقع كان صادماً وكاشفاً لزيف هذه الادعاءات. ففي ذات الأسبوع الذي تحدث فيه النعيمي، اقتحم الآلاف من المتطرفين باحات المسجد، مارسوا طقوسًا تلمودية، ووجّهوا الشتائم للمصلين، تحت حماية الشرطة الإسرائيلية. 

هذه الأحداث تمثل دليلاً صارخًا على أن ما يسمى بـ”الجهود الإماراتية” لم تؤثر قيد أنملة في لجم الاحتلال، بل شكّلت مظلة دبلوماسية لحمايته.

وبدلًا من أن يدين النعيمي اقتحامات المستوطنين، استغل ظهوره الإعلامي لمهاجمة حركة “حماس” ومعركة “طوفان الأقصى”، معتبرًا أن هذه المواجهة فاقمت من التوتر، متجاهلًا أن الاقتحامات بدأت قبل هذه المعركة بزمن طويل، وأن التطبيع كان من أبرز أسباب تصاعدها.

من زيارة “ريغيف” إلى التواطؤ مع الاحتلال: تبريرات مُهينة لعقل الأمة

لم يكتفِ النعيمي بترويج الوهم، بل روى قصة عبثية تزعم أن الوزيرة الإسرائيلية المتطرفة ميري ريغيف – التي شاركت لسنوات في اقتحامات المسجد الأقصى – “تخلّت عن التطرف” بعد زيارتها لمسجد الشيخ زايد في أبو ظبي! هذه الرواية التي قد تُضحك المراقبين أكثر مما تُقنعهم، جاءت لتبرير الصورة المخزية لاستقبال أبو ظبي لمسؤولين إسرائيليين متورطين في التحريض على قتل الفلسطينيين.

ويعيد النعيمي التأكيد أن الإمارات تضغط على تل أبيب لتقييد “مسيرات الأعلام” الاستفزازية، دون أن يشير إلى أن هذه المسيرات ما زالت تنظم سنويًا، وتُرفع فيها شعارات تدعو لطرد العرب وهدم المسجد الأقصى، وأن الإمارات لم تصدر حتى بيان إدانة واحد لها.

إن هذه المحاولات المستمرة لتجميل وجه التطبيع، لا تغير من حقيقته كخيانة تاريخية موثقة. فالتطبيع الإماراتي – الذي جرى تحت قيادة محمد بن زايد – لم يفتح بوابة سلام، بل فتح أبواب الأقصى للمستوطنين، وأغلقها في وجه مقاوميه.

الخيانة لا تصنع حماية.. بل تسهم في الانهيار

منذ توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020، لم يلمس الفلسطينيون إلا المزيد من العدوان، والانتهاكات، وتكثيف للاستيطان، ومشاهد متكررة لتدنيس الأقصى، وتهويد القدس، وتهجير سكانها. أما على الجانب الآخر، فقد جنى قادة الاحتلال مكتسبات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية ضخمة دون أن يقدموا شيئًا في المقابل سوى المزيد من العنف.

أما المسؤولون في أبو ظبي، فقد أصبحوا واجهة دعائية للاحتلال، يحاولون بيع الوهم للشعوب العربية بأن الخيانة يمكن أن تُثمر سلامًا. ويتصدر النعيمي هذا المشهد المخزي، متناسياً أن صمت الشعوب لا يعني رضاها، وأن الذاكرة الفلسطينية والعربية تحفظ جيدًا أسماء كل من شاركوا في التطبيع، ومنحو الاحتلال غطاءً سياسيًا وهو يقتل ويهدم ويستبيح الأقصى.

وفي الختام، فإن من المؤسف أن تخرج هذه التصريحات من عاصمة عربية كان يفترض بها دعم الحق الفلسطيني، لا تزييفه. وإذا كانت الإمارات تعتقد أن الخنوع أمام الاحتلال يمكن أن يمنحها دورًا إقليميًا أكبر، فإنها تساهم في تسريع انهيار ما تبقى من التضامن العربي مع فلسطين، وتضع نفسها في خانة الأعداء لا الأشقاء.

اقرأ أيضًا : تحذيرات غامضة في مصر تثير مخاوف من “حدث كبير وشيك”