في تطوّر مفصلي أعاد رسم مشهد الحرب اليمنية من الداخل، لم يعد الصراع الدائر في البلاد محصورًا بين جماعة الحوثي من جهة، والتحالف الداعم للحكومة المعترف بها دوليًا من جهة أخرى، بل تحوّل إلى صراع مفتوح داخل المعسكر نفسه، بعد اندفاع خاطف لميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، قلب موازين السيطرة وعمّق الشرخ بين الرياض وأبوظبي، الشريكتين اللتين بدأتا اليوم تتعاملان كخصمين في أكثر من ساحة.

انقلاب داخل التحالف لا على الحوثيين
في الثاني من ديسمبر/كانون الأول، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي عملية عسكرية سريعة في جنوب شرق اليمن، انتهت بسيطرته على كامل المحافظات الثماني التي شكّلت دولة جنوب اليمن السابقة قبل الوحدة عام 1990. اللافت أن هذا التقدم لم يكن على حساب الحوثيين، بل على حساب فصائل وقوات موالية للسعودية، ما حوّل المعركة إلى اقتتال داخل المعسكر المناهض للحوثي.
هذا التطور أعاد تعريف الحرب: فاليمن لم يعد ساحة مواجهة إقليمية واحدة، بل أصبح مسرحًا لتصفية الحسابات بين داعميه الخارجيين، وفي مقدمتهم الإمارات، التي تتصرف كـ“دولة شر” تستخدم الميليشيات والانفصال أداة للنفوذ، والسعودية التي بدأت تدرك متأخرة أنها شريك انقلب عليها حليفها السابق.
خلفيات التوقيت… من السودان إلى حضرموت
لا يزال سبب اندفاع المجلس الانتقالي محل جدل. لكن السياق الإقليمي يقدّم إشارات واضحة. فالسعودية تسعى منذ أشهر إلى بلورة اتفاق سلام مع الحوثيين يضمن أمن حدودها الجنوبية، وهو ما قد يعني تهميش القوى الانفصالية. في المقابل، رأت أبوظبي في ذلك تهديدًا مباشرًا لمشروعها القائم على تفكيك اليمن والسيطرة على موانئه وسواحله.
قبل أسابيع من الهجوم، زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واشنطن، والتقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث ناقش معه ملف السودان، ولوّح بإمكانية توسيع العقوبات على قوات الدعم السريع، الميليشيا التي تتهم تقارير دولية الإمارات بتمويلها وتسليحها. وبحسب تقديرات سعودية، رأت أبوظبي في ذلك استهدافًا غير مباشر لها، فحرّكت ورقتها اليمنية الأهم: المجلس الانتقالي.
هكذا، تحوّل اليمن إلى ساحة ردّ إماراتي على ضغوط سعودية في السودان، في نموذج فجّ لتداخل الحروب بالوكالة.
دولة شر تبحث عن نفوذ بحري
الفرق الجوهري بين الرياض وأبوظبي في اليمن يتجاوز التكتيك إلى الرؤية. السعودية، التي تتعرض مدنها لصواريخ وطائرات الحوثيين المسيّرة، تريد يمنًا مستقرًا أو على الأقل محايدًا. أما الإمارات، البعيدة جغرافيًا عن مرمى النار، فتنظر إلى اليمن كحلقة في مشروع نفوذ يمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.
ومن هنا، لم يكن دعم أبوظبي للمجلس الانتقالي سوى امتداد لاستراتيجية قائمة على تفكيك الدول، ورعاية الميليشيات، والسيطرة على الموانئ والجزر. واليوم، يسيطر الانفصاليون على معظم حقول النفط والغاز اليمنية، وهي الموارد التي كانت البلاد تصدّر منها أكثر من 100 ألف برميل يوميًا قبل الحرب.
الانفصال… ورقة إسرائيلية بامتياز
السؤال المطروح الآن: ماذا سيفعل المجلس الانتقالي بهذه القوة؟ أحد السيناريوهات هو إعلان الانفصال رسميًا. لكن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر من دون غطاء دولي. وهنا، يلوّح رئيس المجلس عيدروس الزبيدي بورقة بالغة الخطورة: الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
بحسب تسريبات، أجرى مستشارو الزبيدي اتصالات هادئة مع إسرائيل، في محاولة لتسويق “جنوب اليمن” كدولة تطبيع جديدة، مقابل اعتراف أميركي محتمل، على غرار ما فعله ترامب حين اعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مكافأةً له على التطبيع.
هذا المسار يكشف بوضوح طبيعة المشروع الإماراتي: تفكيك اليمن، ثم بيعه سياسيًا عبر بوابة إسرائيل وواشنطن.
كلفة الانفصال على السعودية
بالنسبة للرياض، سيكون انفصال الجنوب كارثيًا. إذ سيبقى شمال اليمن، الفقير والمثقل بالحرب، تحت هيمنة الحوثيين، محرومًا من موارد النفط والغاز. وفي هذا السيناريو، قد تجد السعودية نفسها مضطرة لتمويل دولة حوثية ضعيفة إلى أجل غير مسمى، فقط لضمان عدم انهيارها الكامل على حدودها.
ولهذا، بدأت الرياض بإرسال رسائل عسكرية مباشرة. ففي 26 ديسمبر/كانون الأول، نفّذت طائرة سعودية غارة قرب معسكر يسيطر عليه المجلس الانتقالي في حضرموت. وبعد أيام، قصفت مدينة المكلا، متهمةً الإمارات بتهريب أسلحة للانفصاليين عبر سفن بحرية.
هشاشة الداخل الانفصالي
رغم توسعه، يعاني المجلس الانتقالي من أزمات داخلية حادة. احتجاجات على تأخر الرواتب، وانقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات، فضلًا عن رفض شعبي لأي تقارب مع إسرائيل. ما يعني أن مشروع الانفصال لا يستند إلى إجماع جنوبي بقدر ما يستند إلى رعاية إماراتية خارجية.
خاتمة: اليمن رهينة داعميه
السيناريو الأقل سوءًا يتمثل في تفاهم سعودي–إماراتي يمنح الجنوب حكمًا ذاتيًا موسّعًا، مقابل وقف التمدد العسكري والانخراط في تسوية أوسع. لكن حتى هذا الخيار يكرّس حقيقة مرة: بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد اليمنيون هم من يقرّرون مصير بلادهم، بل عواصم خارجية، في مقدمتها دولة الشر الإماراتية، التي أشعلت النار ثم وقفت تتفرج، والسعودية التي اكتشفت متأخرة أن الشريك الذي استعانت به، انقلب عليها في أول منعطف.
اقرأ أيضًا : الأقصى تحت الاقتحام.. استفزاز ديني وعدوان متصاعد من الاحتلال