دخلت إسرائيل أول انتخابات تشريعية منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، فيما يطلب بنيامين نتنياهو تجديد سلطته بعد سنوات من الحرب المدمّرة على غزة، والتصعيد العسكري الإقليمي، وتوسيع الاستيطان والتهجير في الضفة الغربية المحتلة. لكن الاقتراع الذي يُقدَّم باعتباره لحظة مصيرية للديمقراطية الإسرائيلية يكشف تناقضاً أساسياً: ملايين الفلسطينيين الذين تتحكم هذه السلطة في حياتهم وأرضهم وحركتهم لا يملكون حق المشاركة في اختيارها، بينما يصوّت المستوطنون الذين يعيشون بينهم على الأرض المحتلة.
وجرى التصويت يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، من دون أن تُظهر المؤشرات الأولية فائزاً واضحاً. وحتى صباح الأربعاء، كانت النتائج الجزئية تشير إلى عجز كل من معسكر نتنياهو ومعسكر منافسه غادي آيزنكوت عن بلوغ الأغلبية منفرداً، مع صعود تمثيل الأحزاب العربية الفلسطينية. وهذه أرقام أولية، وليست نتيجة نهائية أو إعلاناً بتشكيل حكومة جديدة.
تكمن أهمية الانتخابات في أنها تضع مستقبل نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف على المحك، لكنها لا تمنح الفلسطينيين ضمانة بأن تبدّل رئيس الحكومة سيوقف الاحتلال أو يعيد إليهم حقوقهم. فالخلاف بين المتنافسين على السلطة أوسع في مسائل القيادة والأمن والعلاقة بالقضاء منه في تقديم مشروع واضح لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني.
نتنياهو: تحويل الفشل إلى حملة للبقاء
حكم نتنياهو إسرائيل نحو 19 عاماً خلال العقود الثلاثة الماضية، وأدار المرحلة الأخيرة متكئاً على ائتلاف من اليمين المتطرف والأحزاب الدينية. ويخوض الانتخابات مدعوماً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيما تتداخل معركته السياسية مع محاكمته في قضايا فساد. خسارة الحكم لا تعني إدانته تلقائياً، لكنها تهدد النفوذ الذي يمنحه منصبه في مواجهة خصومه وأزماته.
بدلاً من تحمّل المسؤولية السياسية عن الانهيار الأمني في السابع من أكتوبر، حاول نتنياهو تحميل المؤسسة الأمنية مسؤولية الفشل، ثم أعاد تقديم نفسه بوصفه الرجل الوحيد القادر على حماية إسرائيل بفضل خبرته وعلاقاته الدولية. وهذه هي المفارقة التي تحكم حملته: رئيس الحكومة الذي وقع تحت قيادته أكبر اختراق أمني في تاريخ إسرائيل يطالب الناخبين بتجديد الثقة فيه بذريعة أن البديل سيعرّض وجودهم للخطر.
وبلغ توظيف الخوف حدّ نشر صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي لقنبلة نووية تضرب تل أبيب، مرفقة برسالة تحذّر من التصويت للمعارضة. بهذا الخطاب، تصبح محاسبة القيادة على إخفاقاتها مخاطرة وجودية، ويُطلب من الناخب الاختيار تحت تهديد كارثة يصوّرها نتنياهو باعتبارها نتيجة محتملة لإبعاده.
أما حلفاؤه في اليمين المتطرف، فيدفعون باتجاه توسيع المستوطنات وتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية. وبقاء هذا الائتلاف يعني استمرار نفوذ قوى تتعامل مع الأرض الفلسطينية باعتبارها مجالاً للضم، ومع سكانها باعتبارهم عقبة أمام المشروع الاستيطاني.
آيزنكوت: منافس من المؤسسة العسكرية
المنافس الرئيسي لنتنياهو هو غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الذي يخوض السباق على رأس حزب «ياشار»، وهو اسم يرتبط بمعاني الاستقامة والنزاهة. ويقدّم نفسه نقيضاً لأسلوب نتنياهو، مستنداً إلى صورة المسؤول العسكري الهادئ وإلى خطاب استعادة الثقة بالمؤسسات.
لكن خلفيته مهمة لفهم حدود هذا البديل. فهو قادم من قلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وليس من حركة سياسية تأسست لمناهضة الاحتلال. ولذلك، فإن تصوير المنافسة باعتبارها مواجهة بين الحرب والسلام يتجاوز ما تعرضه البرامج والخلافات المذكورة في الحملة. المنافسة تدور أيضاً حول من يدير القوة العسكرية، وكيف يعيد بناء الثقة بها، ومن يتحمّل مسؤولية الفشل.
تتعهد أطراف المعارضة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر، وتنتقد الحروب المفتوحة وتآكل المؤسسات وصعود التطرف الديني. غير أن التحقيق في أسباب عجز الجيش عن حماية الإسرائيليين يختلف عن مساءلته عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين. والتمييز بين الأمرين ضروري حتى لا يتحول الاعتراض على نتنياهو إلى شهادة براءة للمؤسسة التي نفّذت الحرب.
الأمن الإسرائيلي يتصدر.. وحقوق الفلسطينيين تتراجع
هيمنت قضية الأمن على الانتخابات، حتى على حساب الغلاء وتكاليف المعيشة. وتدور قطاعات واسعة من النقاش الإسرائيلي حول خسائر الجنود، واستنزاف الاحتياط، وتعدد جبهات القتال، والعزلة الدولية، وهجرة الكفاءات.
هذه المخاوف تكشف حجم الأزمة التي صنعتها سياسات الحرب، لكنها لا تعني بالضرورة تحولاً نحو الاعتراف بحقوق الفلسطينيين. فالاعتراض على كلفة الحرب داخل إسرائيل قد ينطلق من الرغبة في تقليل خسائرها، من دون رفض ما تفعله بالفلسطينيين أو المطالبة بإنهاء الاحتلال الذي ينتج الصراع.
وفي قلب الخلاف الداخلي أيضاً، يأتي إعفاء الرجال اليهود المتشددين دينياً من التجنيد. تسعى أحزاب الحريديم إلى الحفاظ على الإعفاءات والتمويل المخصص للدراسة الدينية، بينما تطالب أحزاب معارضة بإلزامهم بالخدمة، في ظل غضب أسر يتحمل أبناؤها أعباء القتال. وهكذا تتداخل حسابات تشكيل الحكومة مع توزيع أعباء الجيش والإنفاق العام، بينما يظل وقف إخضاع الفلسطينيين خارج مركز هذه المساومات.
كما تواجه إسرائيل عزلة متزايدة وعقوبات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني، وهو ما أصبح أحد عناصر الانتقاد الموجّه إلى الحكومة. لكن تحويل العزلة إلى مجرد مشكلة في العلاقات العامة يغفل سببها: سياسات على الأرض تشمل مصادرة الأرض وتوسيع المستوطنات والاعتداء على السكان.
الأحزاب الفلسطينية: أصوات مطلوبة وشراكة مرفوضة
أظهرت استطلاعات ما قبل الانتخابات مشكلة رئيسية أمام خصوم نتنياهو: وجود أغلبية تعارض بقاءه لا يضمن وجود أغلبية مستعدة للحكم معاً. فالأصوات المناهضة له موزعة بين أحزاب إسرائيلية يهودية وأحزاب تمثل المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، بينما استبعدت معظم الأحزاب اليهودية المعارضة الدخول في ائتلاف مع الأحزاب الفلسطينية.
وهنا يظهر التناقض بوضوح. تستطيع الأحزاب الفلسطينية أن تكون حاسمة في إبعاد اليمين المتطرف، لكن قطاعات من المعارضة تتعامل مع مشاركتها في الحكم باعتبارها أمراً غير مقبول. أي إن أصوات المواطنين الفلسطينيين تُحتسب في الانتخابات، ثم تُطعن شرعية تأثيرها عندما تقترب من تحديد الحكومة.
وقد أشار سياسيون فلسطينيون إلى استعدادهم لدعم حكومة أقلية من خارج الائتلاف لإزاحة نتنياهو وحلفائه. غير أن هذا الخيار يصطدم بالقيود التي تضعها الأحزاب الأخرى على نفسها، وبخطاب يستبعد الفلسطينيين من الشراكة السياسية حتى عندما يصبح دعمهم ضرورياً.
وعكست التصريحات التي أعقبت الاقتراع استمرار هذه العقدة؛ فقد دعا نتنياهو إلى حكومة يمينية، بينما ظل التعاون مع الأحزاب العربية إحدى العقبات الرئيسية أمام معسكر منافسه.
كيف تتحول الأصوات إلى حكومة؟
يتكوّن الكنيست من 120 مقعداً تُوزَّع وفق التمثيل النسبي، وتبلغ نسبة الحسم 3.25% من الأصوات الصحيحة. ويؤثر عبور الأحزاب الصغيرة هذه العتبة أو بقاؤها دونها في ميزان المعسكرات، لأن الحزب الذي يفشل في تجاوزها لا يحصل على مقاعد.
وكان الاهتمام قبل الاقتراع منصبّاً، بين أحزاب أخرى، على «عمخا يسرائيل» بقيادة الجنرال السابق عوفر فينتر، الذي تعهّد بدعم نتنياهو، وحزب «الاحتياط» اليميني الصهيوني، الذي يركز على التجنيد العام ويرفض حكومة تعتمد على الأحزاب الحريدية أو الفلسطينية. وهذه الشروط المتعارضة تفسّر لماذا لا يكفي جمع المقاعد حسابياً لإنتاج حكومة قابلة للتشكيل.
ولا يحصل الحزب الأكبر تلقائياً على حق الحكم. فبعد إعلان النتائج والتشاور مع الكتل البرلمانية، يكلّف الرئيس عضواً في الكنيست بتشكيل الحكومة. وتكون أمامه مهلة 28 يوماً، قابلة للتمديد بما لا يتجاوز 14 يوماً إضافياً. لذلك، فإن اكتمال الفرز لا يعني نهاية الأزمة؛ إذ تبدأ بعده مفاوضات الحقائب والمناصب والسياسات والتحالفات.
المستوطن يصوّت.. والفلسطيني الخاضع للاحتلال لا يصوّت
أشد تناقضات الانتخابات وضوحاً يظهر في الضفة الغربية. فالمستوطن الإسرائيلي يشارك في اختيار الحكومة التي تحمي مستوطنته وتوسّع البنية التحتية المرتبطة بها، بينما يعيش الفلسطيني المجاور له تحت الحكم العسكري، ويتأثر بقرارات هذه الحكومة من دون أن يشارك في انتخابها.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة الأصلية، يعيش أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية، مقابل نحو 3.1 مليون فلسطيني لا يحق لهم التصويت في انتخابات الكنيست. وفي القدس الشرقية المحتلة، يعيش أكثر من 230 ألف إسرائيلي يتمتعون بحق التصويت إلى جانب نحو 350 ألف فلسطيني، معظمهم يحملون وضع الإقامة الدائمة لا الجنسية الإسرائيلية، ولا يشاركون في الانتخابات التشريعية ما لم يحصلوا على الجنسية.
أما في غزة، فنحو مليوني فلسطيني تتأثر حياتهم مباشرة بالقوة العسكرية الإسرائيلية وبقرارات الحرب والمعابر والإمدادات، من دون أي صوت في اختيار السلطة الإسرائيلية التي تتخذ هذه القرارات.
ولا تكمن المطالبة بالحقوق هنا في افتراض أن الحل هو إشراك الفلسطينيين قسراً في مؤسسات دولة الاحتلال؛ فحقهم في تقرير المصير والاستقلال قائم بذاته. لكن هذه المقارنة تكشف قصور وصف الانتخابات بأنها ممارسة ديمقراطية تشمل جميع من يخضعون للقوة الإسرائيلية. ثمة سكان يختارون السلطة، وسكان آخرون تُفرض عليهم نتائج خياراتها بالسلاح.
ماذا يحتاج نتنياهو للبقاء في الحكم؟
لا يكفي أن يتصدر «الليكود» النتائج؛ يحتاج نتنياهو إلى تحالف يضمن أغلبية برلمانية، أي 61 مقعداً من أصل 120، أو ترتيب يتيح لحكومته الحصول على ثقة الكنيست. وإذا لم يجمع معسكره المقاعد المطلوبة، فسيحتاج إلى استمالة أحزاب أو نواب من خارجه. لذلك، خسارته الأغلبية مع حلفائه الحاليين لا تعني تلقائياً خروجه من السلطة.
ماذا يحدث إذا نجح؟
إذا شكّل حكومة مع حلفائه الحاليين، فسيحتفظ اليمين المتطرف بنفوذه في قرارات الاستيطان والسياسة تجاه الفلسطينيين، وستستمر معركة إضعاف القيود القضائية على الحكومة. وسيقدّم نتنياهو النتيجة باعتبارها تفويضاً لقيادته وسياساته، لكن الفوز بالانتخابات لا يمنحه براءة من المسؤولية عن الحرب، ولا يُسقط محاكمته في قضايا الفساد تلقائياً.
وماذا يحدث إذا خسر؟
إذا استطاع آيزنكوت تشكيل حكومة تحظى بالثقة، يغادر نتنياهو رئاسة الحكومة. لكن تعثّر نتنياهو وحده لا يكفي؛ فالمعارضة تحتاج إلى اتفاق على الحكم، وتواجه عقدة رفض أطراف منها التعاون مع الأحزاب الفلسطينية. وإذا فشل الجميع في تشكيل حكومة، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات أخرى، بينما يستمر نتنياهو في رئاسة الحكومة القائمة إلى حين تشكيل بديل.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فتغيير رئيس الحكومة لا يضمن إنهاء الحرب أو الاحتلال: الاختبار هو السياسات التي تنفذها الحكومة المقبلة، وموقفها من الاستيطان والتهجير ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
تغيير الحكومة لا يكفي لمحاسبة منظومة الحرب
تجري هذه الانتخابات بعد حرب الإبادة في غزة، وفي ظل توسع الاستيطان والعنف والتهجير في الضفة الغربية، ومحاولات ائتلاف نتنياهو إضعاف القضاء والقيود الداخلية على السلطة. لهذا فإن نتيجتها مهمة، لكنها لا تختصر سؤال العدالة.
إسقاط نتنياهو، إن حدث، لن يكون بحد ذاته محاسبة على تدمير غزة، كما أن فوز جنرال سابق لا يمنح الجيش الذي قاده حصانة أخلاقية. المعيار الذي يهم الفلسطينيين هو وقف الجرائم، وإنهاء الاحتلال، وحماية السكان، وإتاحة الإغاثة والإعمار، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
أما حصر المسألة في استعادة استقرار إسرائيل أو تحسين صورتها الدولية، فيعيد استبعاد الضحايا من النقاش. هؤلاء ليسوا مجرد خلفية لانتخابات إسرائيلية؛ إنهم ملايين البشر الذين يدفعون أثمان القرارات، فيما يُحرمون من الحرية والحقوق التي يتنافس المرشحون على تقديمها لناخبيهم.